مقالات وكتاب

الديالكتيك الفن الاغريقي و العلم الحديث

بقلم ــ المستشار فرحان حسن

 

مصطلح “ديالكتيك   Dialectic” قد نتخيله نقاشات فكرية أو فلسفية معقدة او خطابات ثقيلة لكن الحقيقة ان هذا المفهوم الاغريقي العريق هو واحد من المحركات التي تقف خلف اكبر التحولات العلمية والفكرية في التاريخ بطريقة أو بأخرى .

الديالكتيك هو فن المحادثة وتبادل الحجج وهو اسلوب في التفكير يقوم على التفاعل بين الافكار لا على فرض فكرة واحدة منذ حوارات الإغريقيين في شوارع اثينا وحتى مختبرات فيزياء الكم ومعادلات الذكاء الاصطناعي ظل هذا الاسلوب حاضرا في قلب الاكتشاف.

لم يكن الديالكتيك مجرد مصطلح فكري أو فلسفي بل كان تحولا جذريا في طريقة تفكير العلماء على مدى التاريخ حيث لم يكن يقدم اجوبة جاهزة بل كان يطرح اسئلة تكشف التناقضات الكامنة في الافكار السائدة كان يحول الحوار الى اداة لاختبار الحقيقة لا لتجميلها.

هذه الرؤية لم تبق في عالم الفكر بل تحولت الى منهج فعلي داخل العلم الحديث ففي فيزياء الكم مثلا لم يكن السؤال هل الضوء موجة ام جسيم مجرد لغز نظري بل كان صراعا بين تصورين متناقضين جاءت الاجابة في صورة فهم جديد يرى ان الضوء يكون موجة وجسيما في الوقت نفسه بحسب السياق التجريبي.

و في علم النفس فقد تطور فهم العقل من خلال صراعات فكرية بين مدارس متباينة السلوكية والمعرفية لم تلغ احداهما الاخرى بل انتجت توليفا جديدا هو علم الاعصاب المعرفي الذي يربط بين الدماغ والسلوك والفكر.

العقلية الجدلية تدعو الباحث الى البحث عن التناقض لا الهروب منه الى احتضان البيانات غير المتوقعة لا تجاهلها والى رؤية الظواهر كاجزاء من منظومات متداخلة لا كعلاقات خطية بسيطة.

نحن اليوم نعيش عصرا تتكاثر فيه التناقضات ازمة المناخ بين النمو والاستدامة الذكاء الاصطناعي بين الكفاءة والاخلاق والتقدم البيولوجي بين التحسين والهوية الانسانية في مواجهة هذا التعقيد لا يفي التفكير الخطي لذلك.

في النهاية الديالكتيك هو فن تحويل الصراع الى تقدم والتناقض الى معرفة وهو ارث انساني يعلمنا ان الحقيقة ليست نقطة وصول بل مسار حوار دائم بين العقل والعالم بين النظرية والتجربة وبين الماضي والمستقبل.

  المستشار فرحان حسن

X: https://twitter.com/farhan_939

‏e-mail: fhshasn@gmail.com

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى