ولا تيأسوا من روح الله

بقلم : مرزوق الزهراني
ليس هناك أثقل على النفس من أن تطول عليها الأيام وهي تنتظر باباً ليفتح، أو إجابة لدعوة تعتقد أنها تأخرت، أو فرجاً لنازلة تراها قاصمة حتى يخيل إليها أن الطريق الذي يقود إلى النجاة قد انقطع، وأن ما كانت ترجوه في الماضي لم يعد له في حساب الأيام مكان. قد تنسى النفس البشرية أن الله حين تضيق بعبده أفق البسيطة، يفتح له من أفق السماء أموراً لم تكن تخطر له على بال.ومن هنا جاءت الآية القرآنية الكريمة في صورة نداء رحيم لتخاطب تلك النفس المتعبة في أعتى لحظات انكسارها: (وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ). تأمل هذا الخطاب العظيم الذي ربط الأمر ب “روح الله”، ولم يقل: لا تيأسوا من نزول الفرج بعد الضيق، ولا من تبدل الأحوال وانفراجها بعد إن لاح في الأفق استحالة الانفراج، لقد نسب الروح للخالق سبحانه، ليقول لتك النفس المرهقة أن الفرج ليس حادثة تقع في آخر الطريق فحسب، بل هو نفحة من نفحات الرحمة الإلهية، التي قد تأتيها في لحظة من اللحظات التي تظن فيها أن كل شيء قد انتهى. وبالنظر إلى ما واجهه يعقوب عليه السلام نجد أنه كان أبعد ما يكون عن أسباب الرجاء في ظاهر الأمر. فحين طال أمد الغياب، واشتد عامل الحزن، وابيضت عيناه عليه السلام من البكاء، كمداً وحزناً على فقد ابنه يوسف عليه السلام، ثم تلى ذلك فقد ابنه الآخر بنيامين، لم يسمح لكل تلك النوازل أن تطفئ في قلبه مصباح اليقين بقدرة الرحمن الرحيم على إعادتهما لتقر بهما عيناه . فقال لأبنائه وهو يحثهم على مواصلة البحث عن يوسف وأخيه: (اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ). كأن يعقوب عليه السلام يقول لهم: إن أبصاركم قد لا تبصر الطريق لكن هناك من هو يبصر عنكم وسيقودكم إلى المسار الصحيح الذي يقودكم إليهما. أحبتي قد نعتقد أن الأبواب التي اعتدنا الدخول منها قد أوصدت، وننسى أن أبواب الله مفتوحة ومشرعة فهي لا تعرف الإغلاق. وبناء على ذلك، يتضح لنا سر من أسرار الإيمان، والذي يتضمن ضرورة أن يعي الإنسان ألا يقيس إمكانية الفرج بقدرته هو، وإنما يقيسه بقدرة الخالق سبحانه. فكم من أمر أو مطلب أو هدف استعصى علينا تحقيقه فحسبنا أن أمر تحقيقه انتهى وأصبح في حكم المحال، ثم فجأة وإذا به يتحقق من حيث لا نحتسب، وكم من أبواب استمرينا في طرقها أياما وشهورا بل وسنوات لكوننا اعتقدنا أن الخير يقف وراءها، لنكتشف بعد حقبة من الزمن أن الله كان يمنعنا من الدخول مع تلك الأبواب رحمة بنا وحماية لنا، ليقودنا عوضا عن ذلك إلى أبواب أخرى واسعة ومشرعة. وكذلك كم من منع اعتقدنا أنه حرمان، فإذا هو في علم الخالق عز وجل حماية، وكم من خسارة حسبناها النهاية، فإذا بها بداية الطريق إلى حياة مختلفة ورائعة. وأخيرا أيها الأحبة ، فإن المقصود بحسن الظن بالله ليس أن يختار الإنسان الأمر التي يريده ثم ينتظر الأقدار أن تاتي به؛ بل إن معنى ذلك أن يكون على يقين خالص أن خلف كل تقدير حكمة سماوية، وأن رحمة الله الواسعة لا تنتهي ولا تنقطع حين تتهاوى الأسباب، وأن ما يقدره الخالق العظيم للعبد الصالح لا يخلو من لطفه وكرمه، وإن أتى في صورة لاتُحسن النفس فهمها بداية الأمر.



