السعودية ومصر والسودان.. ركائز «سلة غذاء الوطن العربي»

بقلم ــ إيهاب وهبة مكي
في عالم تتزايد فيه التحديات المرتبطة بالغذاء والمياه والمناخ وسلاسل الإمداد، لم يعد بناء منظومة عربية متكاملة للأمن الغذائي ترفا اقتصاديا، بل أصبح ضرورة استراتيجية، حيث يشهد العالم اليوم تحولات اقتصادية واجتماعية وسياسية متسارعة، تترافق مع تحديات متزايدة في مجالات الغذاء والمياه والطاقة وسلاسل الإمداد، الأمر الذي يفرض إعادة النظر في منظومة الأمن الغذائي العربي، والانتقال من التعامل مع الأزمات بصورة آنية إلى بناء حلول استراتيجية طويلة الأجل، تقلل الاعتماد على الأسواق الخارجية، وتحد من تأثير تقلبات الأسعار والاضطرابات التي قد تصيب سلاسل الإمداد العالمية.
المملكة نموذجا متقدما
ومن هنا، تبرز السعودية ومصر والسودان كأطراف رئيسية يمكن أن يشكل تكاملها نموذجاً عربياً متقدماً لبناء ما يمكن تسميته «سلة غذاء الوطن العربي»، مستندة إلى تكامل واضح في الموارد والإمكانات؛ فالسعودية تمتلك الثقل المالي والاستثماري والتقني والخبرات اللوجستية، بينما تتمتع مصر بقاعدة بشرية وفنية وإنتاجية واسعة، في حين يمتلك السودان مساحات زراعية شاسعة وموارد مائية وطبيعية وثروة حيوانية كبيرة.
ولا يقتصر هذا التكامل على زيادة حجم الإنتاج الغذائي فحسب، بل يمكن أن يؤسس لمنظومة متكاملة تمتد من الزراعة والإنتاج الحيواني إلى التصنيع الغذائي والتخزين وسلاسل التبريد والنقل، وصولاً إلى التوزيع والتصدير، بما يحول الأمن الغذائي من ملف استهلاكي إلى منظومة اقتصادية واستثمارية متكاملة قادرة على خلق قيمة مضافة وفرص عمل وتعزيز التجارة البينية العربية.
الثقل الاقتصادي للمملكة
وتملك المملكة العربية السعودية، بما تتمتع به من ثقل اقتصادي وقدرات مالية واستثمارية متقدمة، مقومات تؤهلها للاضطلاع بدور محوري في قيادة وتمويل مشروعات الأمن الغذائي على المستوى الإقليمي. وقد حققت المملكة تقدماً ملحوظاً في توظيف التقنيات الزراعية الحديثة، وتطوير أساليب الإنتاج المستدام، وتحسين كفاءة استخدام المياه، إلى جانب امتلاكها خبرات متقدمة في إدارة سلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية، مدعومة بشبكة متطورة من الموانئ ووسائل النقل والبنية التحتية.
وفي هذا الإطار، تؤدي «سالك» (الشركة السعودية للاستثمار الزراعي والإنتاج الحيواني)، التابعة لصندوق الاستثمارات العامة، دوراً مهماً في دعم الأمن الغذائي وتعزيز الاستثمارات الزراعية والحيوانية، من خلال بناء شراكات واستثمارات استراتيجية تسهم في تطوير سلاسل الإمداد الغذائي، وتنويع مصادر الاستيراد، وتعزيز الإنتاج الزراعي والحيواني في عدد من الأسواق، بما يدعم استقرار الإمدادات الغذائية على المدى الطويل.
مصر ..تقنيات زراعية وقوى بشرية
أما جمهورية مصر العربية، فتتمتع بمزيج واسع من المقومات الزراعية والاقتصادية والبشرية، يجعلها إحدى الركائز المهمة في أي منظومة عربية متكاملة للأمن الغذائي. وتمتلك مصر خبرات زراعية وفنية متراكمة، إلى جانب قاعدة واسعة من الكفاءات والأيدي العاملة المتخصصة في المجالات الزراعية والهندسية والتقنية، فضلاً عن خبرات طويلة في تنفيذ مشروعات الاستصلاح الزراعي والإنتاج واسع النطاق.
ويعزز الموقع الجغرافي لمصر، وما تمتلكه من موانئ وشبكات نقل وبنية تحتية، قدرتها على أداء دور محوري في حركة التجارة الغذائية وربط مناطق الإنتاج بمراكز الاستهلاك والأسواق الإقليمية والعالمية. كما راكمت خبرات مهمة في استصلاح الأراضي الصحراوية، وتطوير المشروعات الزراعية الكبرى، وتوظيف الميكنة والتقنيات الحديثة في القطاع الزراعي، إلى جانب وجود مؤسسات ومراكز بحثية متخصصة أسهمت في تطوير الإنتاج الزراعي وتحسين قدرته على مواجهة تحديات الجفاف والأمراض والتغيرات المناخية.
وخلال السنوات الماضية، خطت مصر خطوات مهمة في توسيع استخدام التقنيات الزراعية الحديثة وميكنة العمليات الإنتاجية، بما يعزز كفاءة استخدام الموارد ويرفع إنتاجية الأراضي. ومن ثم، يمكن لمصر أن تمثل حلقة أساسية في منظومة التكامل الغذائي العربي، مستفيدة من قدراتها البشرية والفنية والإنتاجية، وبنيتها التحتية وموقعها الذي يؤهلها للربط بين مصادر الإنتاج ومراكز الاستهلاك والتصنيع والتصدير.
السودان.. أراضي خصبة وموارد متنوعة
وفي المقابل، يمثل السودان واحدا من أهم الأصول الزراعية والاستراتيجية التي يمكن أن تستند إليها منظومة الأمن الغذائي العربي، لما يمتلكه من مساحات شاسعة قابلة للزراعة، وموارد مائية وطبيعية متنوعة، وثروة حيوانية كبيرة. ورغم ضخامة هذه الإمكانات، فإن جزءاً مهماً منها لا يزال بحاجة إلى استثمارات نوعية وتطوير للبنية التحتية وآليات الإنتاج والتسويق، بما يتيح تحويل الموارد المتاحة إلى قيمة اقتصادية مستدامة.
ويتمتع السودان بمساحات زراعية واسعة وتنوع في المناخ والتربة، إلى جانب موارده المائية المرتبطة بالنيلين الأزرق والأبيض، اللذين يلتقيان ليشكلا نهر النيل، وهو ما يمنحه مقومات مهمة لإنتاج العديد من المحاصيل الزراعية الاستراتيجية. كما تمثل الثروة الحيوانية الكبيرة التي يمتلكها السودان ميزة إضافية يمكن توظيفها في دعم قطاعات اللحوم والألبان والصناعات الغذائية المرتبطة بها، ضمن منظومة إنتاجية حديثة تستهدف الأسواق المحلية والعربية والعالمية.
ويكتسب السودان كذلك أهمية جغرافية واقتصادية من موقعه على ساحل البحر الأحمر، بما يوفر له منفذاً مهماً على طرق التجارة الدولية، ويفتح المجال أمام تطوير منظومة متكاملة للنقل والتصدير، خاصة إذا اقترنت موارده الزراعية والحيوانية باستثمارات في البنية التحتية ومشروعات التخزين والتصنيع والخدمات اللوجستية.
تكامل لتحقيق الأمن الغذائي الذكي
ويمكن أن يقوم التكامل بين السعودية ومصر والسودان على معادلة واضحة تستند إلى المزايا النسبية لكل دولة؛ فالسعودية توفر رأس المال والاستثمار والتقنية والخبرات اللوجستية، ومصر تقدم الخبرات البشرية والفنية والبنية الإنتاجية والتجارية، بينما يوفر السودان مساحات زراعية واسعة وموارد مائية وطبيعية وثروة حيوانية يمكن أن تشكل قاعدة إنتاجية مهمة.
ولا يعني هذا التصور بأي حال من الأحوال إقصاء بقية الدول العربية، بل يمكن أن يكون نواة لمشروع عربي أوسع، تشارك فيه الدول وفقاً لمزاياها النسبية واحتياجاتها وإمكاناتها. وبذلك يمكن الانتقال من مشروعات منفردة إلى شبكة عربية متكاملة للإنتاج والتصنيع والتخزين والتوزيع والتجارة الغذائية، بما يعزز التكامل الاقتصادي ويرفع قدرة الدول العربية على التعامل مع الأزمات العالمية.
ويتطلب تحويل هذه الرؤية إلى واقع بناء شراكات استثمارية طويلة الأجل، وتطوير البنية التحتية الزراعية واللوجستية، والتوسع في مشروعات التخزين والصوامع وسلاسل التبريد، وتشجيع التصنيع الغذائي، وتبادل الخبرات والتقنيات، إلى جانب وضع أطر تنظيمية وتمويلية واضحة تضمن استدامة المشروعات ورفع كفاءتها الاقتصادية.
كما أن المرحلة المقبلة تستدعي التركيز على مفهوم «الأمن الغذائي الذكي»، الذي لا يعتمد فقط على زيادة المساحات المزروعة، وإنما يقوم على توظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وتحسين إدارة المياه والطاقة، ورفع إنتاجية وحدة الأرض، وتقليل الفاقد والهدر، وتطوير أصناف زراعية أكثر قدرة على التكيف مع التغيرات المناخية.
مفهوم «سلة غذاء الوطن العربي»
مفهوم «سلة غذاء الوطن العربي» ليست مجرد مشروع لزيادة الإنتاج، وإنما رؤية متكاملة لإعادة توظيف الموارد العربية وفق مزاياها النسبية، وتحويل التكامل الاقتصادي إلى قوة إنتاجية حقيقية. وإذا ما توافرت الإرادة السياسية، والرؤية الاستثمارية، والتخطيط طويل الأجل، فإن السعودية ومصر والسودان يمكن أن تشكل معاً أحد أهم المحاور القادرة على الإسهام في بناء منظومة غذائية عربية أكثر استدامة وقدرة على الصمود، بما يعزز الأمن القومي العربي ويمهد لمستقبل غذائي أكثر استقراراً للأجيال القادمة.
ومن هذا المنطلق، يمكن للتكامل السعودي المصري السوداني أن يتجاوز حدود التعاون الاقتصادي التقليدي، ليتحول إلى مشروع عربي طويل الأمد يضع أسساً أكثر صلابة للأمن الغذائي، ويعزز قدرة المنطقة على مواجهة الأزمات، ويسهم في تحقيق قدر أكبر من استقرار الإمدادات والأسعار، ويفتح في الوقت ذاته آفاقاً واسعة أمام الاستثمار والتوظيف والتصنيع والتصدير.



