مقالات وكتاب

د. صالح بن إبراهيم السكاكر ( الحب مرآة في الإنسان والتجارة والوطن ) .

 

هل الحب أعمى لأنه حب؟ أم لأننا حين نحب نقرر، دون أن نعترف بذلك، ألا نرى إلا ما نريد؟

ربما لم يكن الحب أعمى يومًا، وربما نحن الذين نغمض أعيننا؛ لأن الحقيقة لا تأتي دائمًا بالصورة التي نتمناها. فالإنسان لا يرى من يحب بعينيه فقط، بل يراه بحاجته إليه، وبذاكرته معه، وبما يتمناه منه، وربما بما ينقصه في نفسه.

ولهذا أتساءل: هل نحب الإنسان لأنه جميل في أعيننا، أم يصبح جميلًا لأننا أحببناه؟

قد يكون الحب في بدايته شعورًا لا نملك تفسيره، لكنه مع الزمن يتحول إلى شيء أكبر من الشعور؛ إلى اختيار وموقف ووفاء. فالشوق يحدث في القلب، أما الوفاء فيحتاج إلى إرادة، والحب لا يصبح أعمى إلا عندما نخاف أن نرى.

أما الحب الناضج فلا يحتاج إلى إنكار الحقيقة؛ لأنه لا يقول: “أنت بلا عيوب”، بل يقول: “أراك كما أنت، ومع ذلك أعرف لماذا أحبك.”

وهنا يظهر ذلك “الإنسان الآخر” الذي يسكن في أعماق كل واحد منا. قد نعيش سنوات ونحن نظن أننا نعرف أنفسنا، ثم يأتي الحب ليكشف لنا شخصًا آخر بداخلنا؛ شخصًا يخاف ويغار ويشتاق وينتظر ويضحي. نعتقد أننا نتعرف إلى من نحب، ثم نكتشف أننا كنا نتعرف إلى أنفسنا من خلاله. وربما لهذا يغير الحب الإنسان؛ ليس لأنه أدخل شخصًا جديدًا إلى حياته فحسب، بل لأنه أخرج منه إنسانًا لم يكن يعرف أنه موجود!

لكن السؤال الذي يبدو بعيدًا عن كل ذلك هو:

ما علاقة الحب بالتجارة؟

نحن نضع الحب في جهة، والتجارة في جهة أخرى؛ القلب هنا، والأرقام والمنطق هناك.

لكنني أعتقد أن وراء كثير من النجاحات التجارية قصة حب لا يراها أحد.

رجل أحب فكرة ، أحب عمله، وأحب طموحه، وأحب الصورة التي يريد أن يصل إليها. بدأ مشروعه بإمكانات محدودة، ولم يكن الجميع يرون ما يراه ، تعثر، وخسر، وأخطأ، لكنه كان يعود كل مرة، وفي داخله شيء يقول له إن القصة لم تنتهِ بعد.

ومرت السنوات ونجح.

وحين جاء النجاح رأى الناس الأرقام، ولم يروا ما سبقها. رأوا النتيجة، ولم يروا العلاقة الطويلة بين إنسان وحلمه.

ربما كان المال أحد أسباب البداية، لكنه لم يكن كافيًا لتفسير الاستمرار. فالمال يستطيع أن يجعل الإنسان يعمل، لكنه لا يستطيع دائمًا أن يجعله يحب يوم الأحد، أو يفكر في تفصيل صغير بعد انتهاء يومه، أو يعيد المحاولة بعد خسارة لم يكن أحد سيلومه لو استسلم بعدها.

وهناك شيء آخر: أن تحب ما تفعل. ولكن هنا يصبح الحب خطيرًا.

فالرجل الذي يحب مشروعه قد يقع في الخطأ نفسه الذي يقع فيه العاشق؛ قد يرى ما يريد أن يراه. قد يدافع عن فكرة انتهى زمنها، أو يرفض نقدًا صادقًا، أو يتمسك بمشروع خاسر لأنه لم يعد قادرًا على الفصل بينه وبين ذاته.

وهنا أفهم عبارة “الحب أعمى” بطريقة أخرى. فالعمى ليس في أن تحب، بل في أن تجعل حبك بديلًا عن الحقيقة. ولهذا يحتاج التاجر إلى قلب يحب وعقل يحاكم؛ أن يحب مشروعه بقلبه، لكنه يراجعه بعقل لا يجامل. وهذه المعادلة لا تختلف كثيرًا عن الحب بين البشر.

فمن يحبك حقًا ليس من يعتقد أنك كامل، بل من يستطيع أن يرى نقصك دون أن يحاكمك بناءً على نقصك وحده.

ومن يحب مشروعه حقًا ليس من يعتقد أنه لا يفشل، بل من يملك الشجاعة لتغييره عندما يصبح التغيير ضرورة.

وربما هنا نفهم معنى الوفاء. فالوفاء ليس أن تبقى مهما حدث، بل ألا تخون المعنى الذي جعلك تبقى. فهناك فرق بين الوفاء والعناد، كما أن هناك فرقًا بين الصبر والخوف من الرحيل. قد يكون البقاء وفاءً، وقد يكون الرحيل أحيانًا أكثر صدقًا.

وهل المشاعر الصادقة تبقى؟

لا أعرف إن كان ينبغي لها أن تبقى بالشكل نفسه. فالإنسان يتغير، والزمن يغير الأشياء، والظروف تعيد تشكيلنا. لكن تغير الشعور لا يعني بالضرورة أنه كان كذبًا؛ فليس كل ما هو صادق أبديًا، وليس كل ما انتهى كان كذبًا. بعض المشاعر تنتهي، لكنها تترك أثرًا لا ينتهي. وبعض الأشخاص يغادرون حياتنا، لكن شيئًا منهم يبقى في الطريقة التي نفهم بها أنفسنا بعدهم.

ولهذا أعتقد أن هناك فرقًا بين من يمر في حياتك، ومن يمر فيك.

أما الحب نفسه، فلا أعتقد أن الأحداث الكبيرة وحدها تصنعه. فالحب غالبًا يبدأ وينمو في أماكن لا ينتبه إليها أحد.

في سؤال: “هل وصلت؟” في صوت تعرف من نبرته أن شيئًا ليس على ما يرام. في شخص يتذكر تفصيلًا قلته منذ زمن، ونسيت أنت أنك قلته.

وفي التجارة قد يكون الحب في صاحب مشروع يلاحظ تفصيلًا صغيرًا لا يعرف العميل أنه موجود، لكنه يصر على إتقانه؛ لأن المنتج بالنسبة إليه ليس سلعة فقط، بل جزء من اسمه.

فالأحداث الكبيرة تصنع الذكريات، أما التفاصيل الصغيرة فتصنع الانتماء.

وفي النهاية، لا أعتقد أن الحب أعمى.

فالحب مرآة؛ يكشف الإنسان للإنسان، ويكشف الإنسان لنفسه. وقد يكون قوة تبني علاقة، أو مشروعًا، أو مستقبلًا كاملًا.

لكن يبقى حب يتجاوز الإنسان والمصلحة واللحظة: حب الوطن.

فقد نحب أشخاصًا لأنهم منحونا شيئًا، ونحب أعمالنا لأنها تحقق أحلامنا، أما الوطن فنحبه لأنه المكان الذي تنتمي إليه أسماؤنا وذكرياتنا وجذورنا ومستقبل أبنائنا.

ولهذا، عندما كتبت رواية : “سارة.. قصة الحب الخالدة”، وأردت أن أهدي كتابًا يتحدث عن الحب، لم أجد أعظم من الوطن ليكون في الإهداء؛ لأنني أؤمن أن أعظم قصص الحب هي تلك التي لا يكون الوطن فيها مجرد مكان نعيش فيه، بل جزءًا يعيش فينا.

قد تتغير وجوه الحب، وتتبدل المشاعر والظروف، لكن حب الوطن يبقى من نوع آخر؛ حب لا يحتاج إلى سبب، ووفاء لا ينتظر مقابلًا، وانتماء لا يختصره الزمن.

وإن كان للحب مراتب، فإن حب الوطن أعمقها.

فلنحب بقلب قادر على الحلم، وعقل لا يخشى الحقيقة، ووفاء يعرف أن الوطن هو الحب الذي لا نحتاج إلى تفسيره.

كل عام وأنت بخير يا وطني الشامخ العظيم.

@salehalsakakir

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى