مقالات وكتاب

حين تغادر الدولة مقعد “المشغل”

 

الإعلامي والصحفي: محمد آل ضعين
عضو هيئة الصحفيين السعوديين

في ممرات الإدارة الحديثة، لم يعد السؤال المطروح هو: “ماذا تقدم الحكومة؟” بل “كيف تقدمه بأعلى جودة وأقل تكلفة؟”. ومن هنا تنبثق الخصخصة ليس كخيار اقتصادي فحسب، بل كفلسفة إدارية تعيد تعريف دور الدولة في العصر الحديث. إنها عملية انتقال ذكية من مربع “التشغيل والتمويل” إلى مربع “التنظيم والرقابة”، حيث تدرك الحكومات الرشيقة أن دورها الأسمى يكمن في رسم السياسات وقيادة الدفة، تاركةً مهام التجديف للقطاع الخاص الذي يمتلك بطبعه أدوات الابتكار وروح التنافسية العالية.

هذا التحول لا يعني تخلي الدولة عن مسؤولياتها، بل هو تمكين للمرفق العام ليعمل بعقلية القطاع الخاص؛ حيث تصبح الكفاءة هي المعيار، ورضا المستفيد هو الغاية النهائية. فعندما تنتقل إدارة الخدمات إلى يد القطاع الخاص، فإننا نضخ دماءً جديدة في شرايين الاقتصاد، ونستبدل الروتين بالمرونة، والنمطية بالإبداع. إنها رحلة طموحة لتحويل “المرفق” الذي يثقل كاهل الميزانية بالهدر والبيروقراطية، إلى “أصل” استثماري يولد القيمة المضافة، ويخلق فرص العمل النوعية، ويجذب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية للمشاركة في بناء مستقبل الوطن.

ومع ذلك، فإن براعة الإدارة في ملف الخصخصة لا تظهر في سرعة التحويل فحسب، بل في قوة «الحوكمة» التي ترافقها. فالرؤية المحنكة تدرك أن نجاح هذه التجربة مرهون بوجود أنظمة رقابية صارمة تضمن عدم تحول الخدمة إلى احتكار يرهق كاهل المستهلك، بل تحمي حقوق المواطن في الحصول على جودة تليق بتطلعاته وبأسعار عادلة. إن دور الحكومة هنا يتحول ليصبح دور «المنظم» اليقظ، الذي يقود أوركسترا ضخمة من المستثمرين والمشغلين، يراقب الأداء بدقة، ويضبط الإيقاع بالقوانين، لضمان أن تظل مصلحة المجتمع هي النغمة الأعلى والأوضح في هذا المزيج التنموي.

في نهاية المطاف، الخصخصة هي جسر العبور نحو مستقبل إداري يتسم بالشفافية والاستدامة. إنها دعوة للتحرر من الأنماط التقليدية، والإيمان بأن التكامل بين القطاعين العام والخاص هو الضمانة الحقيقية لتحقيق رفاهية مستدامة، وبناء اقتصاد لا يكتفي بالبقاء في دائرة الأمان، بل يطمح للريادة والتميز في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء والمبتكرين الذين يمتلكون الشجاعة لإعادة اختراع أنفسهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى