الذهب بين التحليل الأساسي والتحليل الفني: قراءة في مسار التصحيح وإعادة التوازن

بقلم: أحمد عنيزان
خبير أسواق مالية – مختص في الذهب والمعادن الثمينة
على مدار أكثر من عام، حافظ الذهب على مسارٍ صاعد استثنائي، محققًا قممًا تاريخية متتالية، مستندًا بشكل رئيسي إلى عوامل التحليل الأساسي المرتبطة بالتطورات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية. فقد تنوعت مصادر هذه الأحداث بين توترات سياسية، أزمات اقتصادية، سياسات نقدية متغيرة، وتزايد حالة عدم اليقين في الأسواق الدولية.
وكان من الواضح لجميع المتعاملين في سوق الذهب أن هذا الصعود، رغم قوته، لا يمكن أن يستمر دون أن يخضع في مرحلة ما لقواعد التحليل الفني والتقني. فالسوق بطبيعته لا يتحرك في خط مستقيم، بل يحتاج إلى فترات تصحيح وإعادة توازن لإعادة رسم المسارات المتوسطة والطويلة الأجل.
من هيمنة الأخبار إلى عودة الشارت
خلال فترة الصعود الأخيرة، هيمن التحليل الأساسي على قرارات المستثمرين، وأصبحت الأخبار المحرك الرئيسي للأسعار. إلا أن كبار المستثمرين والبنوك المركزية وصناديق التحوط كانوا يدركون أن لحظة جني الأرباح قادمة لا محالة، وأن السوق بحاجة إلى إعادة ضبط فني يتيح قراءة أكثر وضوحًا من خلال الرسوم البيانية.
وكانت نقطة التحول المفصلية هي الإعلان عن تعيين كيفن واش محافظًا للبنك المركزي الأمريكي خلفًا لجيروم باول، مخالفًا التوقعات التي كانت تشير إلى أسماء أخرى. هذا القرار شكّل إشارة قوية للأسواق ببدء مرحلة جديدة من التوازن النقدي، ما دفع المؤسسات الكبرى إلى إعادة تموضعها داخل سوق المعادن الثمينة.
التصحيح: إعادة بناء لا انهيار
عقب هذا الإعلان، شهد الذهب تصحيحًا تجاوز 10% من أعلى قمة له خلال أسبوعين، فيما سجلت الفضة تصحيحًا حادًا تجاوز 39% خلال الفترة ذاتها. ورغم أن هذه النسب بدت كبيرة للبعض، إلا أنها في حقيقتها تمثل عمليات جني أرباح طبيعية بعد موجة صعود قوية.
لم يكن هذا التصحيح انعكاسًا سلبيًا لمسار الذهب، بل كان خطوة ضرورية لإعادة تشكيل هيكل سعري صحي، يسمح للسوق بالتحرك وفق دعوم ومقاومات واضحة بدل الاعتماد المفرط على الأخبار.
المستويات الفنية المحورية
من الناحية الفنية، شكّل ارتداد الذهب إلى منطقة 4900 – 4800 نقطة ارتكاز مهمة لإعادة بناء الاتجاه. ويمكن تلخيص المستويات الحالية على النحو التالي:
الدعوم الرئيسية:
نطاق 4300 – 4400
المقاومات الرئيسية:
مستوى 4960
الحاجز النفسي 5000
وقد جاء الإغلاق الأسبوعي الأخير إيجابيًا نسبيًا، مدعومًا باستمرار التوترات الجيوسياسية، ما عزز من فرص التماسك أعلى مناطق الدعم.
السيناريو الإيجابي: الاستقرار ثم الاستمرار
بقاء الذهب فوق منطقة 4300 – 4400 يُعد عاملًا إيجابيًا بالغ الأهمية. فهذا النطاق يشكّل قاعدة فنية قوية تسمح بأحد سيناريوهين:
استكمال المسار الصاعد على المدى المتوسط.
الدخول في حركة عرضية منظمة دون مخاطر مرتفعة لعمليات جني أرباح واسعة.
وفي كلا الحالتين، فإن السوق يحتفظ بزخمه الاستثماري، ويظل الذهب أداة تحوط رئيسية في بيئة عالمية غير مستقرة.
السيناريو السلبي: كسر الدعم وتصحيح أعمق
في المقابل، فإن كسر مستوى 4400 بشروط فنية واضحة، مصحوبًا بزخم بيعي مرتفع، قد يفتح المجال أمام تصحيح أعمق، يمتد إلى المدى المتوسط الأجل.
وفي هذا السيناريو، لا يمكن استبعاد عودة الذهب إلى ما دون مستوى 4000، خصوصًا في حال تراجع حدة المخاطر العالمية أو تشدد السياسات النقدية بشكل مفاجئ.
خلاصة الرؤية
من منظور فني وتقني، يمكن القول إن ما شهده الذهب مؤخرًا هو مرحلة إعادة توازن طبيعية بعد صعود طويل مدفوع بالأحداث. لقد انتقل السوق من مرحلة “التسعير بالأخبار” إلى مرحلة “التسعير بالهيكل الفني”، وهو انتقال صحي ومستدام.
إن مستقبل الذهب على المدى المتوسط والطويل سيظل مرتبطًا بثلاثة محاور رئيسية:
تطورات السياسة النقدية العالمية.
مستوى المخاطر الجيوسياسية.
قدرة السعر على الحفاظ على دعومه الفنية.
وفي ضوء المعطيات الحالية، يبقى الذهب في وضع متوازن، يميل إلى الإيجابية المشروطة بالانضباط الفني، مع ضرورة متابعة المستويات المحورية بدقة عالية.
كلمة أخيرة
إن قراءة أسواق الذهب لا تكتمل بالاعتماد على التحليل الأساسي أو الفني بشكل منفرد، بل تتطلب دمجًا واعيًا بين المعطيات الاقتصادية والبنية السعرية. وهذا التكامل هو ما يمنح المستثمر القدرة على اتخاذ قرارات مدروسة بعيدًا عن الانفعال أو المبالغة في التوقعات.
هذه الرؤية تمثل وجهة نظري الشخصية المبنية على التحليل الفني والأساسي، ولا تُعد توصية استثمارية مباشرة.



