مقالات وكتاب

تجهيل الأجيال

 

تجهيل الأجيال لا يعدو عن كونه مصطلح يُستخدم لوصف عملية فقدان الاتصال والتواصل بين الأجيال المختلفة. ويمكن أن يعود ذلك إلى اختلاف القيم والمفاهيم أو بسبب التقنية الحديثة وتأثيرها على العلاقات الاجتماعية. ويعود تجهيل الأجيال جزئياً إلى الانفصال الثقافي والاجتماعي الذي كثيرا ما يحدث عندما تتغير البيئة الاجتماعية ووسائل التقنية بشكل سريع.
ومن المعلوم أن الأجيال السابقة قد نشأت في ظروف اجتماعية واقتصادية مختلفة تماماً عن الظروف التي تعيشها الأجيال الحديثة، مما أدى إلى تعطل الأدوار التي يفترض أن تقوم بها الأجيال السابقة في نقل وتوريث القيم والعادات والتقاليد والتصورات التي اكتسبتها من الأجيال التي سبقتها إلى الأجيال اللاحقة، حتى أصبحت للأجيال الجديدة رؤىً متنوعة وقيماً مختلفة وعادات مشوهة.
كما تلعب الاختلافات في استهلاك الأجيال دوراً اقتصادياً كبيراً، حيث تؤثر في صعود وهبوط قطاعات مختلفة مرتبطة بنمو أو تراجع بعض العادات الاستهلاكية.
وتقدم الاختلافات في استهلاك الأجيال في عدة نقاط رئيسة، أهمها “تقنية ووسائل الاتصال”. فالأجيال الشابة تعتمد بشكل أكبر على التقنية في حياتها اليومية، مع تفضيلها لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي والتقنيات الحديثة. بينما يمكن أن تكون الأجيال الأكبر أقل اعتماداً على التقنية، مع ميلها للتواصل الشخصي واستخدام الوسائل التقليدية.
ومما لا ريب فيه، أن لعامل التقنية الحديثة والانفتاح المجتمعي الحديث دوراً مهماً بل وأساسياً في تجهيل الأجيال الجديدة، وفصلهم عن الأجيال السابقة، بعد أن نشأت الأجيال الجديدة في عصر ثورة تقنية رقمية مهولة، من هواتف متنوعة وأجهزة ذكية ووسائل تواصل اجتماعية مختلفة، بدأت في استخدامها منذ مراحل العمر المبكرة. فهي في ذلك بخلاف الأجيال السابقة التي تعاملت مع التقنية بشكل محدود، بل ربما لم يكن أغلب أفراد الأجيال السابقة يتقن استخدامها على الإطلاق.
وأكبر مشكلة نجمت عن تجهيل الأجيال بشكل واضح، ضعف العلاقات الأسرية. فالأسرة التقليدية كانت تعتمد على التواصل المباشر وتبادل الخبرات والتجارب بين الأجيال ونقلها من جيل إلى جيل.
وبمجرد ارتفاع معدلات الاعتماد على وسائل الاتصال الرقمية، ضعفت عملية الاتصال والتبادل الإيجابي بين الأجيال. كما أثر ذلك على تربية النشء وتعليمه، حيث يقدم كل جيل مبادئه القيمية وتصوراته الثقافية بشكل منعزل، مما أدى إلى خلق تحديات كبيرة ومتداخلة للأجيال الأكبر سناً من أجل فهم وتقبل تلك الاختلافات.
ولحل مشكلة تجهيل الأجيال والتغلب عليها، فإن من الواجب على الأفراد من مختلف الأجيال أن يتفاعلوا ويستمعوا لبعضهم. كما يجب عليهم تشجيع النقاش والحوار البناء بين مختلف الأجيال لتبادل الخبرات والأفكار والتجارب. كما يفترض عليهم أيضاً أن يتبنوا العديد من سبل المرونة والاحترام والتقدير للتنوع المجتمعي اجتماعيا وثقافيا.
كما يجب توجيه الجهود لتشجيع التواصل المباشر وإقامة الأنشطة المشتركة وتبادل المعارف بين الأجيال المختلفة. كما يمكن تحقيق ذلك من خلال تنظيم ورش العمل والحفلات والفعاليات للأسر والمجتمعات. إضافة إلى تشجيع الأفراد على المشاركة والاستمتاع بالوقت مع الأجيال الأخرى.
ومهما يكن من أمر، فإن تجهيل الأجيال مشكلة لا يمكن السكوت عنها والتغافل عن خطورة آثارها على المستقبل القريب والبعيد بعد أن نشأ عدد من التغيرات السريعة في الكثير من عادات المجتمع وتقاليده، خاصة بعد أن أصبح العالم كقرية واحدة مما تسبب في تداخل الثقافات واللغات بين الشعوب. كما يفترض على عموم الأفراد دون استثناء العمل معاً من أجل تعزيز التواصل والتفاهم بين الأجيال المختلفة، ذلك التواصل الذي يمتاز بحسن الاستماع والاحترام المتبادل بين مختلف الأجيال حتى ننجح في بناء جسور تواصل قوية وتعاون شامل وتفاهم دائم بين مختلف الأجيال، وبالتالي ننجح في إحداث تغيير إيجابي في المجتمع.

بقلم/
مرزوق بن علي الزهراني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى