نحن لا نفشل في التغيير، نحن نحمي حياتنا القديمة

الإعلامي والصحفي: محمد آل ضعين
عضو هيئة الصحفيين السعوديين
في كل مرة نحزم فيها حقائبنا للرحيل نحو حياة جديدة، نميل إلى اتهام أنفسنا بقلة الانضباط أو ضعف الإرادة. نضع الخطط المحكمة، ونرفع سقف التوقعات إلى أقصى حد، ثم نجد أنفسنا نعود بهدوء إلى النقطة نفسها التي انطلقنا منها.
لكن المشكلة الحقيقية، التي نغفل عنها دائماً، لا تكمن في الفشل بحد ذاته، بل في أمرٍ أعمق وأكثر تعقيداً: نحن لا نفشل في التغيير، بل ننجح ببراعة مذهلة في “حماية” حياتنا القديمة.
إن كل سلوك نمارسه في يومنا، حتى ذلك الذي ندرك يقيناً أنه يضرنا، يؤدي وظيفة نفسية خفية. فالتسويف الذي يقتل طموحنا ليس مجرد كسل كما نحب أن نصفه، بل هو درع واقٍ نرتديه للهروب من قلق المواجهة أو خوفنا الفطري من التقييم.
والبقاء في وظيفة رتيبة لا نحبها ليس عجزاً، بل هو بحث مستميت عن “أمان نفسي” اعتادته عقولنا. نحن لا نختار المسارات الأسوأ لأننا نجهل وجود الأفضل، بل نختارها لأن المألوف -رغم ألمه- يظل أقل تهديداً لاستقرارنا من المجهول الذي لا نملك مفاتيحه.
التغيير الحقيقي لا يبدأ أبداً من قشور العادات أو تعديل الجدول اليومي، بل ينبع من مراجعة جذرية للهوية. يحاول الكثيرون إصلاح السلوك الخارجي بينما يتركون “الإنسان العميق” بداخلهم كما هو، والنتيجة هنا تكون حتماً حماساً مؤقتاً يليه ارتداد سريع ومؤلم.
الحقيقة العلمية تقول إن الإنسان لا يستطيع الاستمرار في نهج يتعارض مع الصورة الذهنية التي يحملها عن نفسه؛ فالسلوك دائماً ما يتبع الهوية وينقاد لها، وليس العكس.
المفارقة العجيبة أن أغلب من يرفعون شعارات الرغبة في حياة أفضل، لا يملكون في الحقيقة الرغبة في دفع ثمنها النفسي الباهظ. إنهم يطمحون إلى النتائج البراقة، لكنهم يرتعدون خوفاً من فقدان الصورة القديمة التي يعرفهم الناس بها، أو يخشون التخلي عن تلك الأعذار المريحة التي اعتادوا الاحتماء خلفها لسنوات. نحن نقاوم التغيير ليس لصعوبته الإجرائية، بل لأنه يهدد تعريفنا الراسخ لذواتنا ويهز أركان منطقتنا الآمنة.
لذا، لا يمكن بأي حال فصل جودة الحياة التي نطمح إليها عن مستوى الوعي الذي نعيشه. فالحياة الأوسع تتطلب بالضرورة عقلاً أكثر اتساعاً، واستعداداً صادقاً للمواجهة والاعتراف بدلاً من الاختباء خلف التبريرات الواهية.
السؤال الصريح قد يكون مزعجاً للنفس ومزلزلاً للثوابت، لكنه وحده الكفيل بكشف الحقائق. أما تجاهل تلك الأسئلة، فيمنحنا راحة مؤقتة ومخادعة، تكلفتها الحقيقية هي ضياع سنوات من العمر في الدوران العقيم حول الذات.
قد لا تحتاج حياتك في هذه اللحظة إلى خطط معقدة أو وعود كبرى تقطعها على نفسك، بل تحتاج فقط إلى “لحظة صدق” حقيقية وشجاعة مع الذات. لحظة تتوقف فيها عن الركض وتسأل بوضوح: ما الذي أتحمّله بصمت حتى الآن؟ ولماذا أصر على تكرار الأفعال التي أشتكي من نتائجها؟ وما هي الكارثة الحقيقية التي ستقع إن بقي كل شيء كما هو؟
حين تتضح الإجابات وتنزاح الغشاوة، يصبح التغيير أبسط مما نتخيل؛ ليس لأنه أصبح سهلاً بين عشية وضحاها، بل لأنه صار “واضحاً” وضرورياً. وعندها فقط، نتوقف عن حماية تلك الحياة التي استنزفتنا وأنهكت أرواحنا، ونبدأ فعلياً في بناء الحياة التي تليق بنا ونستحقها.




