مقالات وكتاب

الهروب الكبير من «الآن»

الإعلامي والصحفي: محمد آل ضعين
عضو هيئة الصحفيين السعوديين

ثمة حقيقة لا نحب الاقتراب منها:
نحن لا نؤجّل أعمالنا، بل نؤجّل مواجهة ذواتنا.

التسويف ليس خللاً في إدارة الوقت، بل تراجعًا عن تحمّل اللحظة. هو نقص في شجاعة الحضور. فالموت حدثٌ خارجي، قرار إلهي يُنهي علاقتك بالجسد دفعة واحدة. أما التسويف فقرار داخلي متكرر، يفتّت علاقتك بالمعنى على مهل.

وهنا تتجلّى بصيرة ابن القيم حين قال:
«إضاعة الوقت أشد من الموت؛ لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة، والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها».
ليست عبارة وعظية، بل معيارًا حاسمًا للفهم: الموت نهاية طبيعية، أما الإضاعة فانسحاب اختياري من المهمة.

التسويف هو الصيغة الهادئة لإضاعة الوقت. لا يقتحم حياتك بعنف، بل يدخل من باب “ليس الآن”. لا يطلب منك التوقف، بل يمنحك وهم الاستمرار. أنت مشغول، تتحرك، تخطط، تؤجل… وكل ذلك يبدو منطقياً. لكنه منطق يستنزفك دون أن يواجهك.

الموت يشبه قاضياً يغلق الملف بحكم نهائي.
أما التسويف فهو موظف يؤجل الجلسة إلى أجل غير مسمى، حتى تبهت القضية، وتضيع المرافعات، وينسى صاحب الحق لماذا بدأ.

نحن لا نعيش أزمة ضغط بقدر ما نعيش أزمة تأجيل. نؤجل المكالمة الصعبة، القرار الحاسم، الخطوة الأولى، الاعتذار، المبادرة، التغيير. ونطمئن أنفسنا بأن “الوقت المناسب” سيأتي. لكن الوقت المناسب لا يأتي؛ إنه يُصنع. ومن لا يصنعه، ينتظره حتى ينفد.

لماذا نهرب من «الآن»؟
لأن اللحظة الراهنة صادقة. لا تقبل الأعذار. لا تتجمّل. إما أن تكون فيها حاضرًا أو تكون خارجها. المستقبل مساحة مريحة لتعليق النوايا، أما الحاضر فهو ساحة تنفيذ.

كثيرون يملأون جداولهم، لكنهم يفرغون أعمارهم.
ينجزون مهامًا، ويؤجلون قرارات.
يتحركون كثيرًا، ويتقدمون قليلاً.

الحنكة ليست في كثرة الانشغال، بل في حسم البداية. ليست في انتظار الجاهزية الكاملة، بل في الإقدام رغم النقص. فمعظم الفرص لا تضيع بسبب خطأ جسيم، بل بسبب تأجيل بسيط تكرر حتى أصبح عادة.

الموت ينهي الرحلة فجأة.
أما التسويف فيستهلكها بصمت.

فاسأل نفسك بصدق:
كم فكرة دفنتها بعبارة “غداً”؟
وكم علاقة أنهكتها بعبارة “لاحقاً”؟
وكم خطوة تعرف أنها واجبة، لكنك تؤجلها لأنك لا تريد مواجهة أثرها؟

إضاعة الوقت ليست فراغًا ظاهرًا، بل تأجيلاً مقنعًا. الموت يقطعك عن البشر مرة واحدة، أما التسويف فيقطعك عن ذاتك كل يوم. والخسارة الكبرى ليست أن تنتهي حياتك، بل أن تنتهي وأنت لم تبدأها كما ينبغي.

أن تصل إلى خط النهاية، لا مثقلاً بالتجارب، بل مثقلاً بالنيات المؤجلة.
هناك فقط ستفهم أن أخطر كلمة في حياتك لم تكن
“مستحيل”..
بل كانت:
“لاحقًا” .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى