القوة الصامتة في المنظمات

الإعلامي والصحفي: محمد آل ضعين
عضو هيئة الصحفيين السعوديين
ليست القوة دائماً صاخبة، ولا التأثير بحاجة إلى إعلانٍ رسمي أو ضجيجٍ مسموع. ففي قلب كل منظمة ناجحة، تعمل قوة خفية وهادئة، لا تجد لها ذكراً في الهياكل التنظيمية الجامدة، ولا تُقاس بدقة عبر مؤشرات الأداء الورقية، لكنها في الواقع هي المحرك الفعلي الذي يُقرر ـ بصمت ـ مصير كل خطة، ومستقبل كل قائد، ونهاية كل نتيجة. تلك هي “الثقافة التنظيمية”؛ تلك البنية غير المرئية التي إما أن تحمل المنظمة نحو القمة أو تثقل كاهلها حتى السقوط.
إن الثقافة في جوهرها ليست هي تلك الشعارات التي نعلنها في المناسبات، بل هي ما نمارسه فعلياً في أبسط تفاصيل يومنا. هي ليست تلك النصوص المحفوظة في الأدلة الإجرائية، بل هي السلوك المتكرر الذي استقر في الوجدان حتى صار “طبيعيًا”. إنها الطريقة التلقائية التي يُتخذ بها القرار حين يغيب المدير، والأسلوب العفوي الذي يُدار به الخلاف خلف الأبواب المغلقة، وهي الحدّ الحقيقي الذي يتوقف عنده الاجتهاد الشخصي. هي باختصار الإجابة الواقعية والعملية عن ذلك السؤال الخفي الذي يطرحه كل موظف جديد: “كيف ننجو وننجح هنا؟”.
وقد تمتلك المنظمة استراتيجية عبقرية ومتقنة، مرسومة بأحدث الوسائل، لكنها مع ذلك تنهار عند أول محك للتنفيذ. وفي المقابل، قد تفتقر منظمة أخرى إلى التعقيد النظري، لكنها تحقق نجاحات مبهرة. والسبب في الغالب لا يكمن في جودة الأفكار بحد ذاتها، بل في “التربة” التي تستقبل تلك الأفكار. فالأفكار، كالبذور، لا تنمو في أي بيئة كانت؛ الثقافة هي التربة، إن صلحت وطُهرت أثمرت أفضل المبادرات، وإن فسدت أجهضت أعظم الأحلام قبل أن ترى النور.
وفي المنظمات ذات الثقافة الناضجة والواعية، لا يُدار العمل بسياط الخوف أو سياسة التصعيد المستمر، بل يُدار بقوة “الثقة الواضحة” والمعايير الأخلاقية والمجتمعية المشتركة. هناك، يعرف الأفراد بوضوح ما المتوقع منهم، وما هو المقبول، وما هو غير القابل للتفاوض أو المساومة. أما حين تكون الثقافة هشّة ومضطربة، يتحول كل قرار بسيط إلى عبء ثقيل، وتصبح كل مبادرة تطويرية مخاطرة غير محسومة، ويتحول “الصمت المطبق” إلى الخيار الأكثر أماناً للجميع.
كما أن الخطأ القاتل والشائع هو الاعتقاد بأن الثقافة تُبنى بمجرد صياغة الشعارات الرنانة. الحقيقة الصادقة أنها تُبنى بما يُسمح به فعلياً، وبما يُتجاهل عن قصد أو غير قصد، وبما يُكافأ عليه الناس في الواقع لا في الوعود. فالقائد هنا لا يصنع ثقافة المنظمة بخطاباته المنبرية، بل بسلوكه اليومي ورده فعله تجاه الأزمات؛ فما يتغاضى عنه القائد يصبح “عرفاً”، وما يلتزم به بصرامة يتحول إلى “قاعدة”. فالثقافة في أعمق صورها، ليست سوى “ظلّ القيادة” الممتد على الأرض.
ويبقى السؤال الجوهري الذي يجب أن يواجهه كل مسؤول وموظف: هل ثقافة منظمتك اليوم هي محرك يدفع الأداء للأمام، أم أنها مجرد ستار يبرر الضعف والقصور؟ هل تُنتج هذه البيئة روح المسؤولية الفردية والجماعية، أم أنها بارعة في إعادة تدوير الأعذار وتبرير الإخفاقات؟ إن القوة الصامتة في المنظمات لا تطلب لفت الانتباه ولا تستجدي المديح، لكنها هي التي تحكم الاتجاه في نهاية المطاف. ومن يحسن قراءة هذه القوة وفهم شفراتها، هو وحده من يستطيع أن يقود منظمتة بأقل قدر من الضجيج.. وبأعمق أثرٍ ممكن في الوجود.




