
كتب -فهد السمحان
في عمق التجربة الإنسانية، برز الوقف بوصفه أحد أرقى صور العطاء المنظّم، حيث يتحوّل المال من منفعة فردية مؤقتة إلى أثرٍ عامٍ مستدام. فالوقف ليس إنفاقًا آنيًا، بل رؤية بعيدة المدى تقوم على حفظ الأصل وتنمية العائد وتوجيه المنفعة لخدمة المجتمع عبر أجيال متعاقبة. ومن هنا اكتسب الوقف مكانته كأداة فاعلة للاستقرار الاجتماعي، وركيزة للتنمية، وحاملٍ لقيم التكافل والمسؤولية.
وعبر التاريخ، أثبتت الأوقاف قدرتها على الصمود والتجدّد؛ تتغيّر الأساليب وتبقى الغاية، وتتبدّل الظروف ويظل الأثر حاضرًا. فالوقف حين يُحسن تأسيسه وتُدار أصوله بأمانة وكفاءة، يتحوّل إلى مؤسسة حيّة قادرة على التكيّف مع الزمن دون أن تفقد جوهرها. ولهذا ظل الوقف شاهدًا على حضارة جعلت من الاستدامة سلوكًا عمليًا، ومن العطاء مشروعًا طويل الأمد.
وفي هذا الإطار، تولي المملكة العربية السعودية اهتمامًا كبيرًا بقطاع الأوقاف، إدراكًا لدوره الحيوي في دعم التنمية المستدامة وتعزيز القطاع غير الربحي. وقد تجلّى هذا الاهتمام في تطوير الأنظمة والتشريعات، وترسيخ مبادئ الحوكمة والشفافية، وتمكين الأوقاف من تعظيم أثرها الاجتماعي، بما يضمن حماية الإرث الوقفي وتطويره بأساليب حديثة تحافظ على أصالته وتواكب متطلبات المرحلة.
ومن بين النماذج الوقفية المشرّفة التي تجسّد هذا المعنى بوضوح، يبرز وقف الشريف غالب بن مساعد بوصفه وقفًا عريقًا الجذور، عظيم الأثر، ومتجدد الرسالة. إذ يمتد تاريخه لأكثر من 253 عامًا، وهو ما يعكس صلابة فكرته وحسن تأسيسه قبل أن يدل على قِدمه الزمني.
من محاسن هذا الوقف أنه لم يكن يومًا حبيس الماضي، بل ظل حاضرًا في حياة المجتمع، محافظًا على هويته الوقفية، ومواكبًا لتغيرات الزمن دون أن يفقد جوهره. لقد بُني على رؤية بعيدة المدى أدركت أن الوقف الحقيقي هو الذي يستمر أثره، ويتعاظم نفعه، ويتكيّف مع التحولات، مع الالتزام بأصول الوقفية وشروطها.
وتتجلى أهمية وقف الشريف غالب بن مساعد في كونه وقفًا نوعيًا، يجمع بين التاريخ والمكانة والأثر، ويشكّل إضافة حقيقية لمنظومة الأوقاف في مكة المكرمة. فهو نموذج يُحتذى في الاستدامة الوقفية، وفي القدرة على تحويل الأصول إلى قيمة مجتمعية مستمرة تعود بالنفع العام على المدى الطويل.
ولا يكتمل الحديث عن هذا الوقف دون الإشارة إلى القائمين عليه، الذين يمثلون امتدادًا مشرفًا لرسالة الوقف ومقاصده. فقد عُرفوا بالكفاءة، وحسن الإدارة، والحرص على الأمانة، والعمل بروح المسؤولية، وهو ما كان له الأثر الكبير في الحفاظ على الوقف وتنميته وتعزيز حضوره. إن وجود أشخاص رائعين يجمعون بين الخبرة والالتزام يُعد من أهم أسباب استمرارية هذا الوقف ونجاحه عبر العقود.
إن وقف الشريف غالب بن مساعد ليس مجرد أصلٍ موقوف، بل قصة نجاح متواصلة، وشاهد حي على أن الوقف حين يُدار بعقلٍ واعٍ ونية صادقة، يتحول إلى رمزٍ حضاري، ونموذجٍ مشرف، وإرثٍ تاريخي عريق يُفاخر به.
وفي الختام، تبقى الأوقاف ركيزة أساسية في بناء المجتمعات واستدامة العطاء، بما تحمله من أثرٍ متجدد ومسؤولية ممتدة عبر الأجيال. فهي نموذج حضاري يحوّل المال إلى قيمة، ويجعل الخير مشروعًا دائمًا لا ينقطع، ويؤكد أن ما أُسس بنيّة صادقة يبقى أثره حيًا مهما تعاقب الزمن.



