أن أغدو سعيدًا

هلا الخباز
ستغادرنا 2025 بكل ما كان فيها من أحداث، وسنبدأ أولى صفحات أجندة 2026 واضعين أمانينا وأحلامنا وأهدافنا نصب أعيننا.. كلام كثير عن أمنيات العام الجديد، وكيف نحقق أهدافنا ونصل لمبتغانا. مراجعة بسيطة لما كتبته في السنة الماضية وما رحلته معي إلى هذه السنة جعلني أؤمن أن جل ما تمنيناه ونسعى لتحقيقه مهما اختلف سيصب في أمنية واحدة أن نغدو سعداء.
غيرت أجندتي مع العام الجديد وأنا أقف على عتبة الأمل، اخترت اللون الأزرق لأحلق في المدى البعيد، فتحت التقويم وأعدت ترتيب أحلامي، كتبت أهدافي الجديدة، وأعدت صياغة أهدافي التي لم تتحقق بعد أن اختصرت الكثير منها بفعل الوعي الذي جعلني أكثر صدقًا وقربًا لنفسي.. والتي وعدتها وجاهرت بالوعد بأن أفعل كل ما أستطيع لأغدو سعيدة.. ولجبران خليل جبران مقولة أحبها “إنكم تريدون أن تقيسوا الزمن بميزان القلوب، لكن الزمن لا يُقاس إلا بما نصنعه فيه”. إن ركضنا الأزلي وحسرتنا على المفقود تكمن في اعتقادنا الدائم أن حصولنا على الشيء سيسعدنا.. بكل ما تحمله الكلمة في طياتها من مفاهيم مصاحبة لها.. الاكتفاء، الاطمئنان، الرضا، الفرح.. وغيرها، فالقيمة الحقيقية لأي عام لا تقاس بعدد الأيام، بل بما نضيفه من وعي، وبما نُحدثه من تغيير في الداخل قبل الخارج.
أنا التي أمضيت الربع الأخير من العام أبحث عن طمأنينتي، عن نفسي وعما يجعلني مشرقة. فعلى الرغم من تنوع أمنيات وأهداف البشر من نجاح مهني، استقرار عاطفي ومالي، صحة وعلاقات أفضل، وعلى اختلاف ثقافاتهم، وأعمارهم، وظروفهم، سنكتشف حقيقة لافتة في أن جوهرها يصب في السعادة.. السعادة هنا لا تُفهم بوصفها رفاهية أو فرحًا عابرًا، بل حالة من الرضا، والاتساق مع الذات، والشعور بالمعنى. كما وصفها الفيلسوف أرسطو منذ قرون: “السعادة هي الغاية القصوى التي يسعى إليها الإنسان، وكل ما عداها وسيلة”.
حيث اختلف الفلاسفة القدماء في تفسير معنى السعادة، ومن هم السعداء. وقد أوجز “أفلاطون” في كتابه “الجمهورية” أن ذوي الأخلاق والعدالة هم السعداء، في حين اعتبر “أرسطو” أن الفضيلةَ ضروريةٌ للمرء من أجل أن يكون سعيدًا، كذلك “ابن سينا” المفكر الإسلامي اعْتَبَرَ أن السعادةَ غايةُ البشر، والسعادة الحقيقية مستقلة، ولا تشوبها شائبة من الاهتمامات الدنيوية.
ولكن ماذا تقول الدراسات؟
تؤكد الدراسات الحديثة في علم النفس الإيجابي هذا المعنى، فوفقًا لبحوث طويلة الأمد أجرتها جامعة هارفارد (دراسة تطور الإنسان على مدى أكثر من 80 عامًا)، تبيّن أن جودة العلاقات الإنسانية، والشعور بالمعنى، والرضا عن الحياة هي العوامل الأقوى في تحقيق السعادة وليست في المال أو الشهرة.
كما تشير أبحاث عالم النفس مارتن سليغمان إلى أن السعادة المستدامة تقوم على خمسة محاور رئيسة: المعنى، العلاقات، الإنجاز، المشاعر الإيجابية، الاندماج فيما نحب.. وجميعها نقاط وأهداف ومحاور تتكرر نحملها معنا دومًا من عام إلى عام.
غير أن المشكلة لا تكمن في الأهداف، بل في كيف نضع خططنا.. فكثيرًا ما نُرهق أنفسنا بقوائم مثالية، لا تراعي واقعنا، ولا إيقاعنا النفسي، فنحوّل العام الجديد من فرصة للنمو إلى عبء إضافي، فلا نحن من وصلنا ولا نحن من استمتعنا بالطريق، يقول الكاتب الفرنسي مارسيل بروست: “الحياة الحقيقية، الحياة التي نعيشها بعمق، هي تلك التي نراها من الداخل”.
ففي السنوات الأخيرة، امتلأت منصات التواصل الاجتماعي بحملات ومقاطع تُقدَّم تحت شعار “كن سعيدًا”، وتُسوَّق بوصفها وصفات سريعة للراحة والرضا، صور مثالية لحياة بلا تعب، صباحات بلا قلق، وإنجازات بلا تعثر.
غير أن هذه الرسائل، رغم نواياها المعلنة، تُمارس ضغطًا خفيًّا على المتلقي؛ إذ توحي بأن السعادة حالة دائمة، سهلة المنال، وأن أي شعور بالتعب أو التردد أو الحزن هو فشل شخصي لا ظرف إنساني.
المفارقة أن السعادة التي تُعرض بهذه الصورة المعلّبة تتحول من شعور داخلي هادئ إلى سباق اجتماعي، نقيس فيه حياتنا بما يُنشر على الشاشات لا بما نعيشه فعليًا. وهنا يتبدد جوهر السعادة الحقيقي، لتحل محله مقارنة مستمرة تُرهق النفس بدل أن تطمئنها.
العام الجديد لا يحتاج منا معارك كبرى، بقدر ما يحتاج نوايا صادقة وخطوات صغيرة واعية، أن نختار السعادة بوصفها ممارسة يومية، لا هدفًا مؤجلًا، أن نفهم أن النجاح دون طمأنينة ناقص، وأن الإنجاز بلا معنى فراغ مقنّع. وكما قال الكاتب ألبرت كامو: “السعادة ليست كل شيء، لكن لا شيء يمكن أن يكون بديلًا عنها”.
فلنجعل من هذا العام الجديد عامًا نعيش فيه بوعي أكبر، ونخطط فيه بإنسانية أكثر، ونسعى فيه إلى سعادة تشبهنا.. لا سعادة مفروضة علينا.
كاتبة ومستشارة في العلاقات العامة وصناعة الصورة الذهنية



