أكذوبة “المنهج الوثائقي “!

بقلم أ.د.بدرية خلف العنزي
قسم أصول التربية -جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
يعد مصطلح “المنهج الوثائقي ” من أكثر المصطلحات التي أُسيء فهمها وتوظيفها في الأدبيات العربية لمناهج البحث العلمي ،فقد انتقل هذا المفهوم إلى العربية عبر ترجمة غير دقيقة لمصطلحات أجنبية مثل Documentary Research أو Document Analsis والتي تعني في أصلها “تحليل الوثائق ” أوتوظيفها كمصدر للبيانات ،وليس “منهجا ” قائما بذاته .
غير أن هذا الفارق الدلالي البسيط بين methodology و method أُهمل في الترجمة العربية ،فتحول معنى “التحليل الوثائقي ” إلى “المنهج الوثائقي ” وأُدرج في بعض كتب مناهج البحث العلمي وكأنه أحد المناهج العلمية المستقلة إلى جانب بقية المناهج الأخرى مثل التجريبي والتاريخي وغيرها.
هذا الخلط المفاهيمي له جذور تربوية ومنهجية ،ففي كثير من المقررات الجامعية في الدراسات الاجتماعية والإنسانية والتربوية في أقسام الدراسات العليا العربية تقدم ” مناهج البحث ” للطلبة على نحوٍ يخلط بين “المنهج والأداة ” ومع مرور الوقت أصبح الطالب والباحث يتعاملان مع مصطلح “المنهج ” باعتباره طريقة للوصول إلى المعلومات ،بغض النظر عن بنيته الفلسفية والإجرائية ، ومن ثم وظّف المنهج المزعوم (المنهج الوثائقي) في العديد من الدراسات كمصطلح فضفاض يُشير إلى “الرجوع إلى المصادر والمراجع ” دون تحديد خطوات التحليل أو الإطار النظري الذي ينتمي إليه هذا النشاط البحثي ،هذا الخلل اللغوي والفكري والمفاهيمي جعل مما يُسمى “المنهج الوثائقي “تصنيفا شكلياً لاجوهر علمي له ؛فبدلاً من أن يكون الباحث مدركاً لدوره التحليلي والنقدي في التعامل مع الوثائق ،اكتفى بمهمة جامدة تتمثل في جمع المعلومات وترتيبها ،وهو ما أفقد البحث أهم خاصيتين في العمل العلمي : التحليل والتفسير .
ومما نتج عن هذا الخلط أن الباحثين بدأوا يعتقدون أن ما يُيسمى”المنهج الوثائقي ” أصبح وسيلة كافية للإجابة عن أسئلة البحث ،حتى في القضايا التي تتطلب أدوات تحليل نوعي أو ميداني ،فكثير من الخطط البحثية تنص صراحة على عبارات مثل ” سيعتمد الباحث على المنهج الوثائقي للإجابة عن سؤال البحث “! وكأن جمع النصوص والمراجع هو بحد ذاته عملية استقصاء علمي .
ومما عمّق هذا الفهم المغلوط القولبة التي خضع لها طلاب الدراسات العليا والباحثين في العلوم التربوية الذين اعتمدوا على كتب مناهج البحث العلمي التي اعتمدت على ترجمة غير دقيقة لمفهوم التحليل الوثائقي .
ثم بدؤا ينقلون الفهم ذاته لطلابهم في الدراسات العليا عبر المحاضرات واللجان العلمية ، ولاينبغي لك أيها الطالب بعدها أن تتفكر أو تتأمل هذا الخطأ المنهجي ،كيف ذلك وقد آمنوا به إيماناً غير قابلٍ للنقاش ،فأصبحوا يصححون الخطط التي تمر عليهم لطلاب الدراسات العليا ،ويجب أن ينفذ الطالب هذا التصحيح _حتى لو كان هذا الطالب من النوع المفكر_ ثم يقدمه للّجان العلمية بعد تصحيحه مبرزا ًمايسمّى بالمنهج الوثائقي للإجابة عن أسئلة البحث أو بعضها حسب رؤية تلك اللجان .
لقد أدى هذا فعلا إلى الاغتيال الناعم للتطبيقات العلمية الصحيحة في ممارسة البحث العلمي الذي يوصل للحقيقة ذات الفائدة في المجال المعرفي ،وأدى إلى تحجيم وظيفة الباحث إلى مجرّد ناقل أو ملخّص لمعلومات موجودة سلفا ،فأين مفهوم البحث العلمي هنا !
وأدى إلى تحويل البحوث الأكاديمية إلى سردٍ وصفي للمحتوى بدل أن تكون عملية اكتشاف أو تفسير للمعنى .
فبدلا من أن تكون الوثائق مادةً تُحلل من منظور فلسفي لتوليد معرفة جديدة ،أصبحت هدفاً نهائيا للبحث نفسه ،وبذلك تضاءلت الحدود بين جميع المعلومات وتحليلها ،فصار الإثنان شيئاً واحداً في وعي كثير من الباحثين المقولبين .
ومن الناحية المعرفية ،يعكس هذا الخلل تحولاً في فلسفة البحث نفسها من “البحث عن الحقيقة “إلى “جميع ماقيل عن الحقيقة ” ،فالباحث الذي يتبنّى مايسمى “المنهج الوثائقي “كمظلة كبرى لايمارس أي عملية بناء معرفي ،بل يكتفي بإعادة المعرفة الموجودة ،ويصبح البحث بذلك ممارسة محفوظة تفتقر إلى التساؤل والإبداع النقدي .
وقد أشار Bowen(2009) إلى أن كثيرا من البحوث التي تستخدم الوثائق descriptive) (rather than interpretive أي : تظل وصفية أكثر منها تفسيرية ،وهو وصف ينطبق بدقة على أغلب الممارسات السابقة التي تبنت “المنهج الوثائقي ” على أساس أنه منهج .
فالمشكلة ليست في الوثائق كمصدر ،بل في الطريقة التي تُعامل بها الوثيقة ،إذ جُرّدت من البعد التحليلي ، وهذا الخطأ المنهجي غيّب الأساس الفلسفي للبحث العلمي وبات مُشجعا بوعيٍ أوغير وعيٍ من الباحثين على أنماط من “الكتابة التجميعية ” بدلا عن البحث التحليلي ،فالبحث القائم على هذا المفهوم الملتبس المشّوه يفتقد الأركان الأساسية لأي عمل علمي : المنهج ،الأداة ،التحليل ،التفسير ، الإسهام .
ولهذا فإن إعادة تصويب هذا المصطلح لاتُعد مسألة شكلية ،بل ضرورة علمية وأخلاقية لحماية الممارسة البحثية من الانحدار نحو التسطيح والانغلاق المعرفي ،فالوثائق ينبغي أن تبقى أداة تُستخدم “داخل منهج “، لا “منهجا ” مستقلا بذاته ،وأن يدرك الباحث أن قيمة الوثيقة لاتكمن في وجودها،بل في مايستطيع أن يستخرجه منها من معنى جديد يضيء له الطريق في مشكلة بحثه .
وبعد هذا من الضروري جدا لكل باحث صادق مع نفسه وفي بحثه عن الحقيقة أن يتبيّن هذه الإشكالية المفاهيمية المرتبطة بمصطلح “المنهج الوثائقي ” أو بالأصح مع ” أكذوبة المنهج الوثائقي ” التي نمّطت عقول الباحثين في المجالات الاجتماعية والإنسانية نحو اتجاه سطحي جدا في الكشف عن حقائق الظواهر أو الوصول إليها ، فلا وجود لما يسمونه بـــــ” بالمنهج الوثائقي ” وفقا للمارسات البحثية للباحثين والتي تعطي تصوراً واضحا عن طريقة فهمهم له .
وهو أمر بالضرورة حاصل لامحالة ،لأنك إذا رجعت إلى هذه “الوثائق ” والتي بموجبها سميته “منهجاً وثائقيا ” ،فالباحث في حقيقة أمره لن يخرج عن أحد هذه المناهج :
-فهو إما أن يكون أمام منهج تاريخي فيستخدم الوثائق كمصادر أولية primary sources لتتبّع حدثٍ أو ظاهرة زمنية ،ويحلل محتواها وفق تسلسلها التاريخي وسياقها الزمني .
-وإما أن يكون أمام منهج وصفي تحليلي ( فلسفي تحليلي ) وهنا يمكن أن يستخدم الوثائق لتحليل ظاهرة اجتماعية أو تربوية عبر تتبع التقارير الرسمية أو النصوص التنظيمية أو الكتب والأبحاث العلمية ،وهنا لامحالة هو أمام نوع من أنواع البحث النوعي يدعى “تحليل المحتوى ” أو تحليل المضمون ” وهو يختلف عن تحليل المحتوى الكمي الذي يعتمد على التكرارات والنسب المئوية الذي أفرد له المؤلف رشدي طعيمة كتابا يشرح فيه هذا النوع شرحا مفصلا ، فالحديث هنا عن تحليل المحتوى الذي يسمى بــــــ Qualitative Content Analysis والذي يستخدم في تحليل بيانات المحتوى أسلوب Thematic Analysis أحد أهم الأساليب المنهجية لتحليل البيانات النوعية .
-وإما أن تكون أمام منهج نوعي جملةً وهنا يمكن للباحث تحليل الوثائق كمحتوى نصي بحسب دراسته وأي منهج أو أسلوب نوعي يحقق أهدافها ويصل بالباحث إلى عمق الحقيقة وتفسيرها ،وغالبا مايستعين الباحث في هذه الحالة بأدوات نوعية متعددة يجمع فيها بياناته ،وهنا على الباحث أن يستعين بكل من John W. Creswell و Yvonna S Lincoln & Egon G guba و Kathy Charmaz و Braun & Clark وغيرهم ، إلا أن هؤلاء تحديدا ،هم من سيضع الباحث على الطريق الصحيح في اتباع طريقة منهجية رصينة في تحليل البيانات النوعية ،ومن ضمنها بيانات مانسمية “المنهج الوثائقي ” ! مما أدى إلى السطحية المنهجية وفقدان العمق التحليلي ،يتضح هذا في الاكتفاء بعرض المحتوى دون معالجة نقدية أو تفسير سياقي للوثائق ، إن غياب هذا الوعي جعل الباحث لدينا يتعامل مع النصوص على أنها “حقائق جاهزة ” لاتحتاج إلى تحليل ،مما جعل البحوث أقرب إلى التقارير المكتبية منها إلى الدراسات العلمية .
وعندما تختزل “المنهجية ” إلى “تجميع المعلومات” تفقد البحوث الأكاديمية قيمتها الإبداعية ،فالأصالة العلمية لاتتحقق إلا من خلال طرح أسئلة جديدة وتحليل البيانات بطريقة تكشف عن أنماط أو تفسيرات جديدة .
لقد آن أن نعرف الآن بعد هذه السنين من التطبيقات الخاطئة التي أضعفت البحث العلمي ” أكذوبة المنهج الوثائقي ” الذي تم إلباسه عباءة المنهجية الصحيحة وهو بعيد كل البعد عنها .



