مقالات وكتاب

التطوع .. إرث عطاء يتجدد في خدمة ضيوف الرحمن

كتب: فهد السمحان – المشاعر المقدسة

حينما يتوافد ملايين الحجاج إلى المشاعر المقدسة من مختلف دول العالم الإسلامي ، تتجلى صورة استثنائية من صور العطاء والإنسانية التي تميز المملكة قيادةً وشعباً. فخدمة ضيوف الرحمن ليست عملاً موسمياً فحسب، بل رسالة عظيمة وشرف كبير حمله أبناء هذا الوطن جيلاً بعد جيل، حتى أصبح جزءاً من ثقافته وهويته الراسخة.
وما دعاني إلى كتابة هذا المقال ليس ما قرأته أو سمعته، بل ما شاهدته على أرض الواقع خلال موسم الحج. فقد لفت انتباهي الحضور الكبير للمتطوعين والمتطوعات من مختلف مناطق المملكة، ولم يقتصر الأمر على أبناء منطقة مكة المكرمة كما قد يظن البعض، بل وجدت شباباً وشابات قدموا من مناطق ومحافظات متعددة يحملهم شغف واحد ورغبة صادقة في خدمة ضيوف الرحمن.
هذا المشهد يعكس أن خدمة الحجاج لم تعد مسؤولية منطقة أو جهة بعينها، بل أصبحت ثقافة وطنية يشارك فيها أبناء الوطن كافة. فالجميع يتشرف بأن يكون له دور، مهما كان بسيطاً، في خدمة قاصدي بيت الله الحرام. ومن أجمل ما لمسته أن المتطوعين يعملون بروح الأسرة الواحدة، يجمعهم هدف نبيل ورسالة إنسانية عظيمة تؤكد عمق الانتماء لهذا الوطن ورسالة المملكة الخالدة في خدمة الإسلام والمسلمين.
ومن خلال وجودي في موسم الحج هذا العام، لمست عن قرب حجم الجهود المبذولة في كل موقع وزاوية، بدءاً من المنافذ الجوية والبرية والبحرية، مروراً بالمشاعر المقدسة والحرم المكي الشريف، وصولاً إلى مغادرة الحجاج بعد إتمام مناسكهم. منظومة متكاملة تعمل على مدار الساعة هدفها الأول راحة الحاج وتمكينه من أداء نسكه بكل يسر وطمأنينة.
وما يبعث على الفخر أن آلاف المتطوعين والمتطوعات يشاركون في هذه المهمة المباركة بروح وطنية عالية، يقدمون الإرشاد والمساعدة والدعم الإنساني للحجاج بمختلف لغاتهم وثقافاتهم. مشاهد تتكرر كل عام لكنها تظل مبهرة، حيث يتسابق الجميع إلى خدمة ضيف الرحمن دون انتظار مقابل سوى الأجر والدعاء.
هذه القيم النبيلة ليست جديدة على أبناء المملكة، بل هي امتداد لنهج الآباء والأجداد الذين اعتبروا خدمة الحجاج شرفاً عظيماً ومسؤولية وطنية ودينية. فالمواطن والمواطنة ورجال الأمن والممارسون الصحيون والمتطوعون والكشافة والعاملون في مختلف القطاعات يشكلون لوحة وطنية متكاملة عنوانها الإخلاص والتفاني.
ولا يمكن الحديث عن هذا النجاح الكبير دون الإشادة بالدعم والاهتمام اللذين توليهما القيادة الرشيدة لهذا الملف العظيم. فقد سخرت حكومة سيدي خادم الحرمين الشريفين وسمو سيدي ولي العهد حفظهم الله جميع الإمكانات البشرية والتقنية واللوجستية لخدمة ضيوف الرحمن، إيماناً برسالة المملكة ومكانتها الإسلامية الرائدة.
وفي كل عام نشاهد مشاريع تطويرية وخدمات نوعية وتقنيات حديثة تسهم في رفع جودة الخدمات المقدمة للحجاج، بما يعكس حجم العناية التي يحظى بها الحرمين الشريفين وقاصدوهما. هذه الجهود لم تأتِ من فراغ، بل هي ثمرة رؤية واضحة وعمل متواصل وتكامل بين مختلف الجهات الحكومية والخدمية والتطوعية.
ختاماً، يواصل أبناء وبنات المملكة تقديم أروع صور البذل والعطاء في موسم الحج، مؤكدين أن العمل التطوعي في المملكة ليس مجرد مبادرة موسمية أو ساعات عمل تؤدى، بل ثقافة متجذرة وإرث إنساني ووطني يتوارثه الأبناء عن الآباء والأجداد. ففي كل موقع من المشاعر المقدسة والحرم المكي الشريف نشاهد نماذج مشرّفة من أبناء الوطن وهم يسخرون وقتهم وجهدهم لخدمة ضيوف الرحمن بكل محبة وإخلاص، انطلاقاً من إيمانهم بأن خدمة الحاج شرف عظيم ورسالة سامية. هؤلاء الشباب يمثلون صورة المملكة المشرقة وقيمها الأصيلة القائمة على الكرم والعطاء والتكافل، ويؤكدون أن التطوع أصبح جزءاً من هوية المجتمع السعودي ومسيرة نجاحه في خدمة الإسلام والمسلمين، ليبقى هذا الوطن المبارك نموذجاً عالمياً في خدمة ضيوف الرحمن ورعايتهم على أكمل وجه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى