أ. د. عبدالله السكران: الانسيابية في التعليم ضرورة لبناء منظومة مرنة تستثمر المهارات وتواكب رؤية 2030

أكد أستاذ أصول التربية، الأستاذ الدكتور عبدالله بن فالح السكران، أن التحولات التنموية المتسارعة التي تشهدها المملكة العربية السعودية في ظل رؤية 2030 تستدعي تطوير منظومة تعليمية أكثر مرونة وانسيابية، قادرة على استثمار المهارات الوطنية، ومواكبة متطلبات سوق العمل، وإتاحة الفرص أمام الطلاب للانتقال بين المسارات التعليمية دون عوائق تحد من طموحاتهم ومستقبلهم المهني.
وأوضح السكران أن المملكة حققت قفزات تنظيمية وإنشائية كبيرة في قطاعي التعليم العام والجامعي، إلا أن التحدي الحقيقي لم يعد مقتصرًا على توفير المقاعد الدراسية وزيادة الطاقة الاستيعابية، بل أصبح مرتبطًا بمدى قدرة المنظومة التعليمية على التكيف مع المتغيرات الاقتصادية والتقنية، والاستجابة لاحتياجات المتعلمين، بما ينسجم مع مستهدفات برنامج تنمية القدرات البشرية.
وأشار إلى أهمية تبني مفهوم «الانسيابية في التعليم» (Educational Fluidity)، بوصفه فلسفة تعليمية حديثة تمنح الطالب مرونة أكبر في اختيار مساره الأكاديمي والمهني، وتتيح له إعادة توجيه مستقبله التعليمي وفق ميوله وقدراته، بدلًا من التقيد بمسارات اختارها في مراحل عمرية مبكرة قد لا تعكس إمكاناته الحقيقية.
وبيّن أن الانسيابية التعليمية تقوم على اتجاهين رئيسيين؛ أولهما المرونة الأفقية التي تتيح الانتقال بين التخصصات والمسارات في المستوى الدراسي نفسه، وثانيهما المرونة العمودية التي تسمح بتطوير المهارات المهنية والتقنية والاعتراف بها أكاديميًا، بما يمكّن المتعلم من استكمال دراسته دون الحاجة إلى البدء من نقطة الصفر.
وشدد السكران على ضرورة إعادة النظر في إجراءات التجسير والمعادلة الأكاديمية، وتطوير نظام المسارات في التعليم الثانوي، من خلال توفير برامج تكميلية مرنة يمكن للطلاب دراستها إلكترونيًا أو ذاتيًا خلال الإجازات، بما يسهم في تسهيل انتقالهم بين التخصصات، والحد من الهدر التعليمي، واستثمار سنوات الدراسة بصورة أكثر كفاءة.
وأكد أهمية بناء جسور تعليمية حقيقية بين الكليات التقنية والجامعات السعودية، عبر تطوير مسارات واضحة تتيح لخريجي الدبلومات التقنية مواصلة دراستهم للحصول على البكالوريوس، ثم الدراسات العليا وفق متطلبات القبول والكفاءة الأكاديمية، مع الاعتراف بالساعات الدراسية والخبرات المهنية المكتسبة.
ودعا إلى إنشاء بنك وطني للساعات المعتمدة، يتولى تقييم الشهادات المهنية الاحترافية ومخرجات التعلم الذاتي والبرامج التعليمية المرنة، وتحويل المؤهلات المعترف بها إلى أرصدة أكاديمية يمكن الاستفادة منها في مراحل التعليم المختلفة، بما يعزز مفهوم التعلم مدى الحياة.
واستعرض السكران عددًا من التجارب التعليمية العالمية، وفي مقدمتها التجربة الفنلندية التي تتيح لخريجي التعليم المهني فرص مواصلة التعليم العالي، والتجربة الأمريكية التي تعتمد على كليات المجتمع بوصفها مسارًا لاستكمال الدراسة الجامعية، إضافة إلى إطار المؤهلات الأوروبي الذي يعزز الاعتراف بالمؤهلات والمهارات المكتسبة من مسارات تعليمية متنوعة.
ولفت إلى أن تطبيق الانسيابية التعليمية ستكون له انعكاسات اقتصادية وتنموية مهمة، أبرزها تقليص فجوة المهارات في سوق العمل، وتسريع إعداد الكفاءات الوطنية للوظائف المستقبلية، خصوصًا في مجالات الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة، إلى جانب رفع كفاءة الاستثمار في رأس المال البشري وتعزيز القدرة التنافسية للمملكة.
وأضاف أن مرونة التعليم تمنح الأفراد فرصًا متجددة لتطوير قدراتهم، وتساعد المؤسسات التعليمية على الاستجابة للتحولات المتسارعة، بما يعزز التكامل بين التعليم الأكاديمي والتقني والمهني، ويفتح آفاقًا أوسع أمام أصحاب المواهب والمهارات.
واختتم الأستاذ الدكتور عبدالله بن فالح السكران بالتأكيد على أن الانسيابية في التعليم ليست مجرد تطوير للإجراءات الأكاديمية، بل مشروع وطني استراتيجي يتطلب الانتقال من ثقافة المسارات التقليدية المغلقة إلى منظومة تعليمية تستثمر الميول والقدرات، وتبني جيلًا سعوديًا مرنًا ومؤهلًا للمنافسة عالميًا، وقادرًا على الإسهام بفاعلية في تحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030.



