شكراً يا كاميرا… لأنكِ كشفتِ الزيف

هلال الظويهر
لأنكِ لم تعودي مجرد أداةِ تصوير، بل أصبحتِ كاشفةً للحقائق، مُظهِرةً لِما يختبئ خلف الأقنعة.
شكراً لأنكِ فضحتِ مشهداً مؤلماً؛ رجالُ أعمال لا يتحركون إلا بوجودكِ، ولا يُعطون إلا حين تُفتح عدستُك، ولا يُحسّون بالمحتاج إلا إذا كان ثمة مَن يُوثِّق!
بل والأدهى من ذلك أن بعضَهم لا ينتظر الكاميرا، بل يذهب ويجلبها بنفسه! يدفع من ماله، نعم يدفع؛ يُعطي المصوِّر خمسمائة ريال أو ألفاً أو ألفين… فقط ليُقال: “فلانٌ تبرَّع، فلانٌ أعطى، فلانٌ فعل”.
أيُّ عطاءٍ هذا الذي يُدفع قبله ثمنُ الظهور؟ وأيُّ صدقةٍ هذه التي تحتاج إلى ميزانيةِ تصوير؟
في الحقيقة، هو لا يدفع للمحتاج؛ هو يدفع ليشتري صورة، ليشتري اسماً، ليشتري مكانةً لا يملكها.
أمام الكاميرا: كريمٌ معطاء، صاحبُ مواقف. وخلف الكاميرا: لا شيء يُذكر. مجرد رقمٍ بين الأرقام، واسمٌ عابرٌ لا وزن له، حتى في محيطه القريب لا يرى قريبَه ولا يرحم محتاجَه.
يا كاميرا…
كم كشفتِ من شخصٍ كان يحسب نفسَه كبيراً، فإذا به لا يكبر إلا بكِ، ولا يُعرف إلا من خلالكِ.
هناك من يملك الملايين، لكن قلبَه أفقرُ من أفقر محتاج؛ لا يُساعد قريباً، ولا يُواسي ضعيفاً، ولا يمد يدَه إلا إذا ضمن أن ثمة من يُصوِّر تلك اليد!
وفي المقابل، شابٌّ بسيط ضعيفُ الحال يبحث عمَّن يُقوِّي رأسَ ماله، يطوف على رجال الأعمال… لكن لا أحد يلتفت إليه، لأنه لا يملك كاميرا، ولا يعرف كيف يُحوِّل حاجتَه إلى مشهدٍ تمثيلي.
شكراً يا كاميرا…
لأنكِ لم تفضحي الفقير، بل فضحتِ مَن استغلَّ فقرَه. فضحتِ مَن جعل المحتاجَ وسيلةً، والصدقةَ إعلاناً، والإنسانيةَ صفقةً.
الحقيقة المؤلمة أن بعض مَن يُصفِّق لهم الناسُ اليوم، لو أُطفئت الكاميرات، لانطفأ معهم كل شيء.
فشكراً يا كاميرا…
لأنكِ بيَّنتِ لنا الفرق بين رجلٍ يُعطي لله، ورجلٍ يدفع… ليُقال إنه أعطى.



