مقالات وكتاب

التبلد على حافة العالم.. كيف أصبحنا نتعايش مع الأخبار الثقيلة؟

 

بقلم/ هلا الخباز

تعود إلى ذاكرتي أول حربٍ خطت ملامح الخوف على وجهي. طفلة تختبئ تحت اللحاف كلما دوّت صافرات الإنذار. لم أكن أعي الكثير وقتها، ولا أتذكر من تلك اللحظات سوى ضربات قلبي المتسارعة وهي تحاول أن تفهم ما يجري خارج جدران البيت. كبرنا قليلًا، لتتوالى بعدها المصائب البشرية كأنها فصول متلاحقة من كتاب ثقيل: الانتفاضة، عناقيد الغضب، وصور الغضب العربي التي كانت تشعل فينا الحماسة كلما سمعنا أغنية الحلم العربي. كنا نصدق أن التاريخ مازال قادرًا على أن ينحاز إلينا. ثم جاءت مجاعة الصومال، فكبر معنا الإحساس بالمسؤولية، أتذكر كيف كنت مراهقة أجمع التبرعات، وأفكر بجدية في السفر إلى هناك، كأن العالم كان لا يزال بسيطًا بما يكفي لنعتقد أن بوسعنا إنقاذه. لكن السنوات لم تكن رحيمة.
توالت الحروب، وتراكمت صور الدمار، حتى وصلنا إلى زمنٍ أصبح فيه الألم رقمًا. صرنا نستمع إلى أسماء الشهداء بلا ملامح ولا حكايات: الشهيد رقم واحد.. الشهيد رقم عشرين.. الشهيد رقم ألف، ومع كل رقم جديد، كان شيء ما يتآكل بصمت في إنسانيتنا. ثم جاء الربيع العربي الذي امتد لسنوات طويلة، حتى بدا وكأنه فصل طويل من القلق. ومعه بدأ يتبدل شيء آخر في داخلنا: فقدنا تدريجيًا ذلك الخوف الأول، ومعه فقدنا شيئًا من قدرتنا على التعاطف، فلم نعد نشاهد نشرات الأخبار بالطريقة ذاتها، صرنا نتابعها قليلًا، وما إن يسلَّط الضوء على الدم والدمار حتى نغيّر القناة سريعًا، لا لأننا لا نهتم، بل لأننا نحاول أن نحمي ما تبقى من قدرتنا على الاحتمال. نقول لأنفسنا إننا لا نريد أن نصاب بالاكتئاب، لكن الحقيقة أن الاكتئاب لم يغادرنا يومًا.. لقد اعتدناه فقط.
تبرمجنا على العيش معه، مثل مشاهد مسلسل طويل نواصل متابعته رغم أننا نعرف نهايته جيدًا.
كيف وصلنا إلى هذه الدرجة من الاعتياد على الألم؟
لم تتغير الحروب كثيرًا، مازال الدمار نفسه، والوجوه المذعورة نفسها، والأمهات اللواتي يودعن أبناءهن بالطريقة نفسها.. لكن الذي تغيّر حقًا هو علاقتنا نحن بهذه المآسي.
في الماضي كانت الحرب حدثًا يهزّ الوجدان العام، يربك إيقاع الحياة ويملأ الأحاديث والبيوت. أما اليوم فقد أصبحت الحروب تتدفق إلينا يوميًا عبر الشاشات، حتى فقدت قدرتها على إيقاف حياتنا. نتابع الخبر، ثم نغلقه لنعود إلى أعمالنا، وربما إلى تداول نكتةٍ تُصنع من قلب المأساة.
لم يعد الضحك في هذه اللحظة ترفًا أو قسوة، بل يبدو أحيانًا كأنه اللغة الجديدة التي نحاول بها التعايش مع ثقل العالم، طريقة غير معلنة للتعامل مع ثقل الواقع. فالنكتة التي كانت يومًا متنفسًا خفيفًا، أصبحت اليوم تتصدر المشهد، تتداولها المنصات بسرعة تفوق تداول الخبر نفسه.
كان المفكر سيغموند فرويد يرى أن الدعابة ليست مجرد تسلية، بل آلية دفاعية تسمح للعقل بالتعامل مع القلق والخوف بطريقة أقل إيلامًا.. أما الروائي جورج أورويل فرأى أن الفكاهة السياسية في أوقات الاضطراب ليست علامة على اللامبالاة، بل هي دليل على أن الناس مازالوا يقاومون بطريقتهم الخاصة.
هذا التحول لا يعكس بالضرورة قسوة في القلب أو لامبالاة، بل قد يكون انعكاسًا لحالة نفسية جماعية يحاول فيها الإنسان حماية نفسه من فيض الألم الذي يتجاوز قدرته على الاحتمال.
يشير علماء النفس إلى ظاهرة تسمى “إرهاق التعاطف” حيث يفقد الإنسان تدريجيًا قدرته على التفاعل العاطفي مع كثرة المآسي المعروضة أمامه.
وللكاتبة الأميركية سوزان سونتاج رأي مطروح في كتابها Regarding the Pain of Others تقول فيه إن تكرار صور الألم قد يؤدي إلى تقليل تأثيرها على المشاهد، لأن العين البشرية لا تستطيع أن تبقى في حالة حداد دائم.
ربما لم تتغير قلوبنا بقدر ما تغيّر حجم الألم الذي يمرّ بها. فحين يصبح العالم مليئًا بالحروب إلى هذا الحد، لا يعود السؤال لماذا أصبحنا أقل تأثرًا، بل كيف بقي فينا ما يكفي من الشعور لنواصل الحياة.
ربما لا يعني الضحك في زمن الأزمات أننا أصبحنا أقل إنسانية، بل ربما أصبحنا أكثر هشاشة مما نعتقد.
فحين يعجز الإنسان عن إيقاف الحروب، وعن تقليل حجم الألم في العالم، قد لا يجد سوى وسيلة صغيرة ليحمي نفسه من الانكسار: أن يضحك.
لكن السؤال الذي يبقى مفتوحًا: هل نضحك لأننا تجاوزنا الألم.. أم لأننا لم نعد نعرف كيف نحمله؟.

 


 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى