مقالات وكتاب

حين تُدار المخاطر قبل أن تتحوّل إلى أزمات

الإعلامي والصحفي: محمد آل ضعين
عضو هيئة الصحفيين السعوديين

في المشهد المؤسسي المعاصر، لم تعد المخاطر مجرد طوارئ مفاجئة يتم التعامل معها عند وقوعها، بل أصبحت عنصراً ثابتاً في بيئات عمل تتسم بالتغير والتعقيد. إن المؤسسات اليوم تواجه سلسلة من التحديات المتداخلة – تنظيمياً، واقتصادياً، وتقنياً – مما جعل من “إدارة المخاطر” ركيزة أساسية لضمان الاستقرار، وليست مجرد إجراء احتياطي يُستدعى وقت الحاجة فقط.
ويشير هذا المفهوم إلى أن الأزمات نادراً ما تظهر من العدم؛ فهي في الحقيقة نتيجة تراكمات تدريجية تسبق لحظة الانفجار. فغالباً ما تظهر “مؤشرات إنذار مبكرة”، لكنها قد لا تجد الاهتمام الكافي بسبب الطمأنينة الزائدة، أو تأجيل القرارات الصعبة، أو الاستهانة بالتفاصيل الصغيرة. وهنا يظهر الفارق بين إدارة تراقب المشهد بوعي استباقي، وأخرى تنتظر وقوع الكارثة لتبدأ في البحث عن حلول.
وعلى المستوى العملي، لا ترتبط قوة إدارة المخاطر بوجود خطط مكتوبة فحسب، بل بمدى وجود “ثقافة مؤسسية” تشجع على طرح الأسئلة، وتُقدّر الملاحظة المبكرة، وتتعامل مع التنبيهات باعتبارها فرصاً للتصحيح لا تهديداً للاستقرار. فالمخاطر في بدايتها تكون محدودة الأثر وسهلة الاحتواء، لكن تجاهلها يمنحها الوقت والمساحة لتتحول إلى أزمات معقدة.
وتكشف التجارب أن معظم الأزمات الكبرى التي تصدرت المشهد لم تكن نتيجة قرار واحد خاطئ، بل كانت حصيلة قرارات مؤجلة، أو افتراضات لم تُختبر، أو ضعف في التواصل الداخلي. هذه التفاصيل الدقيقة غالباً ما تغيب عن العناوين الكبرى، رغم أنها تمثل الجوهر الحقيقي لما حدث.
إن الإدارة الاستباقية للمخاطر تتطلب قدرة تحليلية تتجاوز مجرد رد الفعل، وتعتمد على قراءة الواقع بدقة، وربط المتغيرات ببعضها، وتوقع النتائج المحتملة. وهنا تبرز قيمة “القيادة” التي تعمل في المساحات الهادئة قبل وقوع الضغوط؛ إذ إن العمل المستمر واتخاذ القرار في توقيته المناسب هما ما يصنعان الفارق الحقيقي.
ختاماً، إن نجاح المؤسسات لا يُقاس فقط بقدرتها على الخروج من الأزمات، بل بكفاءتها في منع تشكّلها من الأساس. فحين تُدار المخاطر بوعي واستباقية، يصبح الاستقرار نتيجة طبيعية لإدارة تفهم ما يحدث خلف الكواليس قبل أن يتحول إلى واقع مفروض .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى