حين يتغير اللاعبون… تتغير قواعد الأسواق….

بقلم ــ أحمد عنيزان
مع اقتراب نهاية عام 2025، اعتادت الأسواق المالية تاريخيًا على نمط متكرر: هدوء نسبي، تقلبات محدودة، وتصريحات حذرة في ظل غياب صُنّاع القرار وانشغال كبريات المؤسسات بإغلاق دفاترها الحسابية، إلى جانب موجات جني أرباح طبيعية من قبل المستثمرين.
غير أن المشهد هذا العام يبدو مختلفًا تمامًا، بل يمكن وصفه بأنه خارج عن القاعدة.
ما نشهده اليوم في الأسواق العالمية، إن دلّ على شيء، فهو يدل بوضوح على أن اللاعبين الأساسيين قد تغيّروا. لم تعد حركة الأسواق محكومة بسلوك المستثمر الفردي أو المضارب قصير الأجل، بل أصبحت تقاد بشكل متزايد من قبل الدول والبنوك المركزية، في ظل بيئة عالمية تتسم بتصاعد التوترات الجيوسياسية، وازدياد الضبابية الاقتصادية، وتحوّل الأولويات الاستراتيجية لدى صُنّاع القرار.
في هذا السياق، لم تعد التوترات الجيوسياسية عامل ضغط سلبي بحت كما كان يُنظر إليها سابقًا، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى محرك مباشر للأسواق. فسياسات التحفيز، وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد، وسباق تأمين الموارد الاستراتيجية، كلها عوامل أسهمت في دعم أسواق الأسهم، وتعزيز الطلب على الأصول، وخلق موجات صعود لا يمكن تفسيرها بالأدوات التقليدية وحدها.
الأهم من ذلك أن الأسواق لم تعد تتحرك على أساس “ردة الفعل”، بل على أساس إعادة التموضع الاستراتيجي طويل الأجل. الدول اليوم لا تستثمر فقط لتحقيق عوائد، بل لتأمين استقرار اقتصادي، وحماية نفوذ مالي، وبناء هوامش أمان في مواجهة عالم سريع التحول. وهذا ما يفسر استمرار الزخم في بعض الأسواق، رغم كل ما يحيط بها من مخاطر معلنة.
من هنا، فإن القراءة السطحية لما يحدث على أنه مجرد “ضجيج نهاية عام” ستكون قراءة مضللة. ما نراه اليوم أقرب إلى مرحلة تأسيس لمسار جديد، سيظهر أثره بشكل أوضح خلال عام 2026. مسار تُعاد فيه صياغة العلاقة بين السياسة والاقتصاد، بين الجغرافيا والأسواق، وبين القرار السيادي وحركة رأس المال.
الرسالة الأهم للمستثمرين وصُنّاع القرار على حد سواء هي أن أدوات الأمس لم تعد كافية لفهم أسواق اليوم. نحن أمام بيئة مختلفة، بقواعد مختلفة، ولاعبين مختلفين. ومن لا يدرك هذا التحول مبكرًا، قد يجد نفسه يفسّر الحاضر بعين الماضي… ويدفع ثمن ذلك لاحقًا.
2026 لا يبدأ في يناير، بل بدأ فعليًا في الأسابيع الأخيرة من 2025.




