أخبار

التوسع الإيراني في منطقة الخليج والنظام الإقليمي الجديد

لا يمكن الاختلاف بشأن نفوذ دولة إيران في منطقة الخليج و دورها التوسعي ، و مما يثبت ذلك ، تدخلها في العراق و نشر مليشياتها بدعوى محاربة التنظيمات الإرهابية وضمان الاستقرار و الأمن في البلاد ، و السعي لزعزعة أمن المملكة العربية السعودية في أكثر من مناسبة و دعم الشيعة في شمالها خاصة في منطقة القطيف ، ودعم المحاولات الانقلابية في مملكة البحرين و تأجيج الصراعات بين السنة و الشيعة هناك ، وإقامة معسكرات على الأراضي الإيرانية ودعم حزب الله ، ودعم نظام الرئيس السوري بشار الأسد بواسطة المليشيات الإيرانية و جيش حزب الله في مواجهة المعارضة ، وإثارة النعرات وتأجيج النزعات الطائفية في دول مجلس التعاون الخليجي، والعمل على شق الصف الخليجي من خلال إقامة علاقات مميزة مع بعض دول المجلس دون بعضها ، و مساندة الحوثيين في اليمن حتى تمكنوا من الاستيلاء على السلطة في فترة سابقة.
و هكذا ، يتضح جليا حقيقة الأطماع الإيرانية للهيمنة السياسية والإستراتيجية على منطقة الخليج العربي، من خلال التدخلات المستمرة لإيران في الشؤون الداخلية لدول الخليج، و سيطرتها على بعض المناطق العربية، كما حصل في العراق وسوريا وجزء من لبنان .
والآن، تبذل إيران كل ما بوسعها لسنوات من أجل أن يكون لها حضور في منطقة البحر الأحمر، وهذا ما يفسره الدعم الإيراني القوي لجماعة الحوثي ، لأنه في حالة ما إذا سيطر الحوثيون على السلطة في اليمن فإن ذلك قد يشكل معقلاً إيرانياً واسع النطاق في المستقبل وستكون لها حركة حيوية بين أوروبا والشرق الأقصى ، وهذا يدخل في المخطط الإستراتيجي التوسعي لإيران على المدى المتوسط و البعيد.
ففي اليمن ، تخوض جماعة الحوثي حربا بالوكالة عن إيران ، في مواجهة المملكة العربية السعودية عندما تدخلت هذه الأخيرة عسكريا لحماية الرئيس اليمني عبد ربه ضد الانقلاب عليه و إعادة الشرعية تماشيا مع التأييد الدولي لذلك بالقرار الصادر عن مجلس الأمن رقم (2216) سنة 2015.
وهذا التحرك السعودي جاء في سياق مقاربة جديدة للسياسة الخارجية للمملكة ، بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية ، لمواجهة التمدد الايراني في المنطقة ، وخوفا من محاصرتها جنوبا على مستوى نقطة باب المندب ، بعدما تمت محاصرتها شمالا في العراق ، حيث أن النفوذ الإيراني هناك تقوى بشكل كبير .
فتوسع النفوذ الإيراني في منطقة الخليج العربي، لا يقلق المملكة السعودية قط، بل تتخوف منه جل دول الخليج ، وهو ما قد يفسر دعم العديد منها للسعودية في هذه العملية العسكرية ، التي لحد الآن لم تترتب عنها نتائج حاسمة في استقرار اليمن ، بل إن الوضع اليمني أصبح جد معقدا بسبب الخلافات بين الأطراف اليمنية من جهة و عدم وضوح الرؤية لدى دول التحالف العسكري الذي تقوده السعودية من جهة أخرى . وفي رأينا، فإن التدخل العسكري في اليمن يتسم بالقصور وعدم قدرته على القضاء على جماعة الحوثي ، ومن شأنه أن يعقد عملية الأمن و الاستقرار في اليمن ، بيد أن الحل السياسي يبقى الحل المناسب لإدارة الأزمة اليمنية ، من خلال الاتفاق بين الأطراف المتنازعة .
وفي ظل هذه الظروف و المستجدات ، بدأت تظهر ملامح نظام إقليمي جديد بمنطقة الخليج ، تحاول كل من إيران و السعودية أن تتزعمه ، مع وجود خلافات بين بعض دول الخليج ، كالخلاف بين المملكة السعودية و الإمارات العربية المتحدة من جهة و دولة قطر من جهة ثانية ، ومحاولة إبعاد دولة الكويت من لعب دور الوساطة لإنهاء الأزمة و لم البيت الخليجي ، خاصة و الكويت كانت لها مبادرات محمودة لحل عدد من الخلافات حصلت سابقا بين دول عربية.
ومن جانب آخر ، تقيم دولة قطر علاقات سياسية مع إيران في إطار المصالح المشتركة بينهما ، وهذه العلاقة شكلت إزعاجا للسعودية و للإمارات ، و قد تساهم في تفكيك الوحدة الخليجية ، وتقوية الدور الجيو -إستراتيجي الإيراني بالمنطقة . ثم إن دولة الإمارات أصبحت لها أجندات خاصة تحاول في الفترة الأخيرة التدخل في الكثير من الأزمات في العالم العربي ، بل أكثر من ذلك أصبحت لها وجهة نظر مختلفة مع السعودية في إدارة الأزمة اليمنية ، خاصة و أن الحكومة الشرعية اليمنية تتهمها بدعم انفصاليي الجنوب.
وبناء على ذلك ، يلاحظ أن إيران الآن تتوسع أكثر في منطقة الخليج مستغلة الأوضاع السياسية والخلافات بين دول المنطقة، وهذا ينذر بحروب قادمة و صدامات مستقبلية بينها و بين دول الخليج وعلى رأسها المملكة العربية السعودية.

الدكتور خالد الشرقاوي السموني
مدير مركز الرباط للدراسات السياسية و الاستراتيجية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى