أخبار منوعة

الكوليسترول الوراثي.. خطر صامت يهدد الشباب قبل كبار السن

عندما نتحدث عن أمراض القلب، يعتقد كثير من الناس أن التقدم في العمر هو العامل الأساسي للإصابة بالجلطات القلبية، إلا أن الواقع الطبي يكشف عن خطر آخر قد يبدأ منذ الولادة ويظل صامتاً لعقود قبل أن يظهر على شكل أزمة قلبية مفاجئة، وهو ما يعرف بالكوليسترول الوراثي.

وتشير الدراسات الحديثة إلى أن الكوليسترول الوراثي يعد من أكثر الأمراض الجينية شيوعاً في العالم، حيث يصيب شخصاً واحداً من كل 250 شخصاً تقريباً، بينما لا يعلم معظم المصابين بوجود المرض لديهم. وتكمن المشكلة في أن ارتفاع الكوليسترول الضار يبدأ منذ الطفولة، ما يؤدي إلى تراكم الدهون داخل الشرايين على مدى سنوات طويلة دون ظهور أي أعراض واضحة.

وقد أصبح من المألوف في العيادات القلبية مشاهدة مرضى في الثلاثينيات أو الأربعينيات من العمر يعانون من تضيق شديد في شرايين القلب أو يتعرضون لجلطات قلبية مبكرة، ليُكتشف لاحقاً أن السبب الرئيسي هو ارتفاع الكوليسترول الوراثي غير المشخص.

ومن المهم التفريق بين الكوليسترول الوراثي والكوليسترول المكتسب. فالأول ينتقل عبر الجينات من أحد الوالدين أو كليهما، بينما يرتبط الثاني بعوامل نمط الحياة مثل السمنة وقلة النشاط البدني والتدخين والعادات الغذائية غير الصحية ومرض السكري.

ورغم أن النوع المكتسب أكثر انتشاراً، إلا أن الكوليسترول الوراثي يعتبر أكثر خطورة بسبب طول فترة التعرض لارتفاع الدهون منذ سنوات العمر الأولى. وقد أثبتت الأبحاث أن المرضى المصابين بالكوليسترول الوراثي معرضون للإصابة بأمراض الشرايين التاجية بمعدلات تفوق الأشخاص الطبيعيين عدة مرات إذا لم يتم تشخيصهم وعلاجهم مبكراً.

وتؤكد الإرشادات الأوروبية والأمريكية الحديثة أن خفض مستوى الكوليسترول الضار LDL يمثل أحد أهم التدخلات الوقائية في طب القلب، حيث يؤدي كل انخفاض ملحوظ في مستوياته إلى تقليل خطر الجلطات القلبية والسكتات الدماغية والوفيات المرتبطة بأمراض القلب.

كما شهدت السنوات الأخيرة تطورات نوعية في علاج اضطرابات الدهون، بدءاً من أدوية الستاتين التقليدية وصولاً إلى العلاجات الحديثة مثل مثبطات PCSK9 التي أثبتت قدرتها على خفض الكوليسترول الضار بنسب قد تتجاوز 60% لدى بعض المرضى مرتفعي الخطورة، بالإضافة إلى العلاجات الجينية الواعدة التي قد تغير مستقبل علاج الكوليسترول الوراثي خلال السنوات القادمة.

ومن الرسائل المهمة التي ينبغي نشرها بين أفراد المجتمع أن ارتفاع الكوليسترول لا يسبب أعراضاً مباشرة في أغلب الحالات، ولذلك لا يمكن الاعتماد على الشعور بالصحة أو غياب الأعراض كدليل على سلامة الشرايين. فالفحص الدوري للدهون في الدم يظل الوسيلة الأهم للكشف المبكر والوقاية.

وأوصي بشكل خاص بإجراء الفحص المبكر للأشخاص الذين لديهم تاريخ عائلي للإصابة بجلطات القلب أو الوفاة المفاجئة أو ارتفاع الكوليسترول، لأن اكتشاف حالة واحدة من الكوليسترول الوراثي قد يقود إلى حماية عائلة كاملة من مضاعفات خطيرة في المستقبل.

“الوقاية من أمراض القلب لا تبدأ عند ظهور الأعراض، بل تبدأ بمعرفة عوامل الخطورة والسيطرة عليها مبكراً، والكوليسترول الوراثي أحد أهم هذه العوامل التي تستحق مزيداً من الوعي والكشف المبكر.”

د. محمد يحيى الشنقيطي
استشاري الأمراض الباطنية و
استشاري أمراض القلب لدى الكبار وتصوير القلب بالموجات فوق الصوتية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى