اختبار الارتطام حين تصطدم الأفكار بالواقع

بقلم ــ المستشار فرحان حسن
كان هناك برنامج ألماني قديم عن السيارات ومعايير الجودة فيها يعتمد على مشاهد واختبارات عملية لقياس قوة المركبات وقدرتها على التحمل وكان من أكثر المشاهد إثارة اختبار ارتطام السيارة بحاجز شديد الصلابة بسرعات مختلفة ثم قياس حجم الضرر ومدى تحمل المركبة ومسافة ارتدادها بعد الصدمة .
كان المشهد يبدو اختبارا للسيارات لكنه يحمل في داخله فكرة أوسع يمكن إسقاطها على الإنسان والفكر فالزمن أيضا لديه اختبارات ارتطام خاصة به.
تتغير التقنية وتتطور المجتمعات وتتبدل المفاهيم وتتسارع المعرفة وفجأة يجد المفكر نفسه أمام واقع مختلف عن ذلك الذي تشكلت فيه أفكاره وهنا لا يصبح السؤال .
هل تعرض المفكر للصدمة ؟ بل كيف كان ارتداده بعدها ؟
ويمكن أن نرى ثلاثة أنماط :
- المتقبل والمتطور
يصطدم بالواقع لكنه لا يرى في تغير الظروف هزيمة له
- يراجع أفكاره
- يتقبل المعرفة الجديدة
- يطور أدواته
- يحول الصدمة إلى فرصة للنمو
فالمفكر الناضج لا يخشى تغيير رأيه عندما تتغير المعطيات لأن الفكر لديه وسيلة لفهم الواقع وليس وسيلة لحماية صورته>
- المحايد
يرى التحولات ويعرف أن العالم تغير لكنه يبقى في منطقة المراقبة
- يعرف الجديد ولا يتبناه
- يراقب أكثر مما يبادر
- يحتفظ بأدوات قديمة
- تتسع المسافة بين معرفته وممارسته
وهنا لا تكون المشكلة في نقص المعرفة بل في ضعف الاستجابة لها.
- المصدوم
وهو النموذج الأكثر جدارة بالتأمل والنقد ….
فبعض المفكرين عندما تصطدم أفكارهم بالواقع يتمسكون بها بصورة أشد ليس بالضرورة لقوتها بل لأن مراجعتها تبدو لهم تهديدا لمكانتهم وصورتهم :
- يرفض المراجعة
- يعتبر النقد استهدافا شخصيا
- يقاوم الجديد لأنه يهز يقينه القديم
- يخلط بين الثبات على المبادئ والجمود الفكري
وهنا قد يتحول الاعتداد بالفكر إلى غرور فكري …. لكن المشكلة أن الجمهور اليوم لم يعد كما كان المعرفة أصبحت متاحة و المقارنة أسرع والأجيال الجديدة أكثر قدرة على اختبار الأفكار أمام الواقع ولذلك فإن الإصرار على فكرة تجاوزها الزمن لا يحافظ بالضرورة على هيبة صاحبها بل قد يكشف هشاشتها ويضع غروره أمام اختبار أصعب وهنا يمكن أن نستعير من اختبار السيارات مفهوما آخر.
مسافة الارتداد الفكري
فليست الصدمة وحدها هي المهمة بل أين أصبح الإنسان بعدها :
- منهم من يرتد إلى الخلف ويتمسك بالماضي .
- ومنهم من يعرف التغيير لكنه يبقى مكانه .
- ومنهم من يمتص الصدمة ويعيد بناء أفكاره ثم ينطلق إلى الأمام.
المفكر الحقيقي ليس من يعيش دون صدمات فكرية بل من يمتلك التواضع أمام المعرفة والشجاعة لمراجعة نفسه والمرونة التي تجعله يتطور مع الزمن دون أن يفقد مبادئه …
فالصدمة تكشف الفكرة والارتداد يكشف المفكر
المستشار فرحان حسن
X: https://twitter.com/farhan_939
e-mail: fhshasn@gmail.com



