امتداد الأثر الملهم بين العالم والمتعلم!

بقلم الدكتور/ عبدالقادر تنكل
الأستاذ المشارك بكلية الطب، جامعة الملك عبدالعزيز
ما أكرم العلم إذا جمع بين شيخٍ يعرف الرجال، وطالبٍ يعرف حق الرجال.
قبل اثنين وثلاثين عامًا، كتب أستاذ أصول الفقه فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور عبدالرحمن السديس كلمةً في حق طالبه النجيب الدكتور منير القرني، ولم يكن يكتب حروفًا على ورقة، بل كان يغرس شجرةً في أرض العلم.
والكلمة الصادقة لا تموت؛ فقد تظل كامنةً في القلب كما تكمن البذرة في التراب، حتى يأتي أوانها فتخرج سنابلها.
وها هو الطالب، بعد عقود من الجد والاجتهاد، ينال الدكتوراه، ويصبح أستاذًا جامعيًا، ثم يكون من مستشاري شيخه نفسه، في مشهدٍ بديعٍ يختصر معنى الوفاء، ويؤكد أن التربية العلمية لا تنتهي بانتهاء الدرس، بل تمتد حتى تصنع الرجال.
إن من أعظم وظائف العالم أن يكتشف الموهبة قبل أن يكتشفها الناس، وأن يمنح الطالب الثقة قبل أن تمنحه المناصب، وأن يفتح له باب الأمل قبل أن تفتح له أبواب الوظائف. فكم من كلمة تشجيع صنعت عالمًا، وكم من تزكية صادقة أيقظت همةً كانت تنتظر من يصدقها.
كما أن من تمام المروءة، ومن شيم أهل العلم، أن يبقى الطالب وفيًّا لشيخه، يذكر فضله، ويعترف بسابق إحسانه؛ فإن العلم نسبٌ بين أهله، وسلسلةٌ تتصل حلقاتها جيلًا بعد جيل.
وقد أشار علماؤنا إلى هذا المعنى في مواضع كثيرة:
قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله:
«ينبغي للعالم أن يتلطف بالمتعلم، ويقوّي قلبه، ويبعث همته؛ فإن النفوس قد تكلّ، والكلمة الحسنة تُحييها.» وهذا من فقهه في التربية؛ فالعلم لا ينمو بالمعرفة وحدها، بل بالرعاية والتشجيع.
وقال الإمام الشاطبي رحمه الله في «الموافقات» ما خلاصته:
إن التربية العلمية لا تقوم على نقل المعلومات فحسب، بل على الاقتداء بأهل العلم، والأخذ عنهم، والتدرج في مدارجهم، حتى يرث الطالب المنهج قبل أن يرث المسائل.
ولذلك كان السلف يفرحون بنبوغ تلاميذهم أكثر من فرحهم بأنفسهم؛ لأن بقاء العلم إنما يكون ببقاء حملته.
ولعل أجمل ما تلخصه هذه القصة أن نقول:
إن الشيخ الصادق لا يصنع تابعًا، وإنما يصنع خليفةً للعلم، والطالب الوفي لا يرى نجاحه استقلالًا عن شيخه، بل يعده امتدادًا لفضله.
فهنيئًا للشيخ الذي أحسن النظر في تلميذه، وهنيئًا للتلميذ الذي صدق ظن شيخه، وهنيئًا للعلم إذا اجتمع فيه الإخلاص، وحسن التربية، ودوام الوفاء.
فهذه هي السلسلة التي حفظ الله بها علوم الأمة، جيلًا بعد جيل، حتى يبقى العلم ميراثًا حيًا، لا أوراقًا محفوظة فحسب!




