الترف الذي يبني حضارة حين يلتقي الثراء بالسخاء

كثيرًا ما يُختزل مفهوم الترف في مظاهر الرفاه أو الوفرة المادية وكأن النعمة في ذاتها مدعاة للغفلة والانحراف بينما تكشف القراءة المتوازنة للقرآن والتاريخ أن الترف ليس مذمومًا في أصله بل قد يكون أحد أعظم أدوات البناء الإنساني إذا ارتبط بالشكر والعطاء والمسؤولية يقول الله تعالى: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾ وهي آية تؤكد أن الجمال والرخاء وسعة الرزق ليست موضع ذم بل جزء من فضل الله على الإنسان.
وقد يستشهد البعض بقوله تعالى ﴿وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها﴾ باعتبارها ذمًا للترف ذاته بينما التدبر في الآية يكشف معنى أعمق وأكثر دقة فـ أمرنا هنا أي أمرناهم بالطاعة والعدل والإصلاح وتحمل مسؤولية النعمة ولم يكن الأمر دعوة إلى الفساد أما مترفيها فالمقصود بهم أصحاب النعمة والمال والنفوذ والتأثير أي الطبقة القادرة على توجيه المجتمع لا لمجرد أنهم يعيشون في رخاء بل لأنهم أصحاب أثر ومسؤولية وحين اختار بعضهم الفسق بدل الإصلاح استحق المجتمع نتائج ذلك الانحراف فالذم هنا ليس للترف بل للانفصال بين النعمة والرسالة.
ومن النماذج الإيمانية الخالدة يبرز سليمان عليه السلام الذي جمع الله له الملك والرخاء والقوة ومع ذلك لم يكن ملكه استعراضًا بل عمرانًا وعدلًا وشكرًا وقال : ﴿ رب أوزعني أن أشكر نعمتك﴾ كما يمثل الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه نموذجًا خالدًا فجهز جيش العسرة واشترى بئر رومة لتكون منفعة عامة وكذلك الصحابي عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه الذي جعل من التجارة بابًا للعطاء والتنمية حيث أصبح المال في يده أداة تنمية لا أداة احتكار ومن ذلك حين تصدق بقافلة700 بعير محمّلة بالطعام و التبرع بالكثير في أمور الخير من ثروته الخاصة و هناك نماذج كثيرة في ذلك .
يقول وارن بافيت :”إذا كنت من المحظوظين في الحياة فعليك أن تساعد الآخرين ليكونوا أكثر حظًا”
وعالميًا قدم ألفريد نوبل نموذجًا فريدًا حين تحولت ثروته إلى “جائزة نوبل” التي أصبحت منصة عالمية للعلم والسلام كما أنشأ أندرو كارنيغي آلاف المكتبات ومراكز المعرفة. وكرّس عظيم بريمجي الذي أشتهر بعطائه فقد تبرع بالكثير من ثروته الخاصة للأعمال الخيرية وخاصة للتعليم والبحث العلمي في الهند حتى وصفته مجلة TIME ضمن أبرز الشخصيات الخيرية عالميًا.
وفي المملكة تمثل مؤسسة الأمير محمد بن سلمان مسك نموذجًا حديثًا في تحويل الموارد إلى استثمار في الإنسان كما يقود صندوق الاستثمارات العامة مشاريع استراتيجية تصنع اقتصاد المستقبل وفي الخليج تبرز كذلك مؤسسة الكويت للتقدم العلمي ومؤسسة قطر ومؤسسة الزبير كنماذج حولت الوفرة إلى تعليم وابتكار وتنمية.
وفي المقابل يحذر القرآن من الخطر الحقيقي الذي قد يصاحب الثروة ألا وهو الخوف من فقدانها إذ يقول تعالى : ﴿الشيطان يعدكم الفقر﴾ ثم يصف فئة أخرى بقوله ﴿الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل﴾ فالمشكلة ليست في كثرة المال بل في عقلية تخشى العطاء رغم الوفرة.
فالترف ليس نقيض الفضيلة بل قد يكون وقود الحضارة والخطر الحقيقي لا يكمن في كثرة ما نملك بل في غياب الرسالة التي توجه ما نملك.
| المستشار فرحان حسن X: https://twitter.com/farhan_939 e-mail: fhshasn@gmail.com |



