بين العوالم المتوازية وواقعنا حين تكشف المنصات هشاشة الوعي

في عالم الفيزياء النظرية يبرز مفهوم العوالم المتوازية أو تعدد الأكوان بوصفه إحدى الفرضيات التي تفترض وجود أكوان متعددة تسير بالتوازي مع كوننا وقد تحمل احتمالات مختلفة للواقع وقد ارتبط هذا التصور بتفسيرات في ميكانيكا الكم أبرزها تفسير العوالم المتعددة الذي قدمه الفيزيائي Hugh Everett III والذي يفترض أن كل احتمال يمكن أن يتحقق في كون مستقل.
ورغم جاذبية هذا الطرح فإنه لم يثبت علميًا حتى اليوم ولم يتم التحقق منه تجريبيًا لذلك ما يزال ضمن نطاق الفرضيات النظرية التي يناقشها العلماء بحذر ومن بينهم Stephen Hawking الذي تعامل معه بوصفه تصورًا علميًا محتملًا لا حقيقة مؤكدة.
لكن بعيدًا عن الفيزياء يبدو أننا نعيش شكلًا آخر من العوالم المتوازية داخل واقعنا المهني واليومي حين نلتقي بأشخاص نشعر أنهم خارج سياق الزمن فلا هم يعيشون الحاضر بوعي ولا يستندون إلى الماضي بخبرة ولا يمتلكون رؤية متزنة للمستقبل بل يتنقلون بين تصورات مشوشة أو يظهرون حالة من اللامبالاة تجاه ما يحدث حولهم.
المفارقة أن بعض هؤلاء يشغلون مواقع قيادية كمديرين أو رؤساء أو حتى خبراء يحملون مؤهلات رفيعة إلا أن الحوار معهم يكشف فجوة واضحة بين الصورة المهنية والعمق الحقيقي للفكر حيث يظهر ضعف التحليل وغياب المنطق وسطحية في فهم القضايا.
وفي هذا السياق لعبت منصات التواصل الاجتماعي دورًا كاشفًا غير مسبوق إذ لم تعد المناصب أو الألقاب قادرة على إخفاء محدودية التفكير فقد أتاحت هذه المنصات مساحة مفتوحة للحوار والتعبير فتجلت التناقضات وانكشفت الفجوات بين الخطاب والممارسة وأصبح الحكم أكثر ارتباطًا بالمحتوى الحقيقي لا بالصورة الذهنية.
لقد كشفت هذه البيئة الرقمية كثيرًا من الادعاءات وأظهرت أن بعض من يتصدرون المشهد يفتقرون إلى العمق المعرفي أو الاتساق الفكري بل كشفت أحيانًا عن أنماط سلوكية ترتبط بما يعرف بمتلازمة Impostor Syndrome حيث يعيش الفرد تناقضًا بين ما يظهره من كفاءة وما يمتلكه فعليًا من فهم فيلجأ إلى التبرير أو التهرب أو الخطاب العام غير الدقيق
وتكمن خطورة هذه الظاهرة في تأثيرها المباشر على بيئات العمل وصناعة القرار إذ تقود الرؤى غير الواقعية إلى قرارات ضعيفة واستراتيجيات منفصلة عن المعطيات مما يهدر الموارد ويضعف الأداء المؤسسي.
إن الوعي الحقيقي اليوم لم يعد خيارًا بل ضرورة قيادية تقوم على الفهم والتحليل والنقد الموضوعي لا على المظاهر والشهادات فقط كما أن المؤسسات مطالبة بتعزيز ثقافة الحوار المبني على البيانات والشفافية والمساءلة.
وفي النهاية قد لا نملك دليلًا قاطعًا على وجود عوالم متوازية في الكون لكننا نلمسها مجازًا في واقعنا حين ينفصل بعض الأفراد عن المنطق والواقع وهنا لا يكون التحدي في فهم الأكوان الأخرى بقدر ما يكون في إعادة بناء وعي إنساني متزن قادر على العيش بفاعلية داخل عالم واحد واضح المعالم.
المستشار فرحان حسن
X: https://twitter.com/farhan_939
e-mail: fhshasn@gmail.com



