المثقف بين مدّ الوعي وجزر الواقع

في زوايا الحياة المتقلبة يقف المثقف موقفاً استثنائياً لا يشبه غيره فهو ليس عابراً في المشهد ولا مندمجاً بالكامل فيه بل أشبه بجذع شجرة عتيقة استقر عند حافة الشاطئ فلا هو استقر على اليابسة ولا هو غاص في أعماق البحر تتجاذبه أمواج المد حيناً وتدفعه رياح الجزر حيناً آخر لكنه يظل ثابتاً يقاوم ويعيد تعريف موقعه مع كل موجة.
المثقف الحقيقي لا يعاني بالمعنى السطحي بل يعيش حالة وعي مضاعف تجعله يرى ما لا يراه الآخرون ويفهم ما يتجاوز الإدراك العابر هو شغوف بالفهم لا يكتفي بالمعلومة بل يغوص في معناها وفي سياقها وفي أثرها لذلك تبدو حياته أحياناً كرحلة مستمرة بين السؤال والإجابة بين الشك واليقين وبين العزلة والانخراط.
هذا الوعي لا يكون دائماً موضع ترحيب فغالباً ما يجد المثقف نفسه في مواجهة غير مباشرة مع بيئته فهناك من يضيق باتساع رؤيته ومن يرفض منطقه لأنه يكشف هشاشة القناعات السائدة بل قد يتحول هذا الرفض إلى إنكار أو حتى تضييق لأن الفكر الحر يزعج السكون ويوقظ الأسئلة المؤجلة ومع ذلك لا يتراجع المثقف لأنه يستند إلى يقين متراكم تشكل عبر سنوات من التعلم والتجربة والخبرة.
قوته لا تأتي من صلابة الظاهر بل من عمق الداخل من إدراكه لسنن الحياة وقوانينها ومن فهمه لتقلبات البشر والمجتمعات هو يدرك أن الضجيج عابر وأن القيمة الحقيقية تكمن في الاستمرارية لذلك يبتعد عن السفه وعن صخب الجهل ويختار مساراً أكثر هدوءاً لكنه أكثر تأثيراً .
وفي رحلته الطويلة يحمل المثقف شيئاً من الشجن وشيئاً من الحنين فهو يدرك أن بعض مشاعره قد تضيع كحطام على صخور الشاطئ وأن بعض أفكاره قد لا تجد صداها في زمنها لكنه لا يتوقف لأنه يعلم أن كل فكرة صادقة تترك أثراً ولو بعد حين وأن الوعي لا يضيع بل يتراكم.
هكذا يظل المثقف حارساً للمعنى شاهداً على التحولات متجدداً رغم التحديات وماضياً بثقة نحو أفق أوسع لأنه ببساطة يرى أبعد ويؤمن أعمق ويعيش الحياة بوعي لا ينطفئ.
| المستشار فرحان حسن X: https://twitter.com/farhan_939 e-mail: fhshasn@gmail.com |



