أخبار

أ.د. بدرية خلف العنزي تطرح مفهوم “المحاضرة الأخيرة” كمدخل لإعادة بناء المعنى في التعليم العالي

الرياض –
طرحت أستاذة أصول التربية في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، أ.د. بدرية خلف العنزي، رؤيةً أكاديميةً جديدة تدعو من خلالها إلى إعادة النظر في طبيعة الممارسة التعليمية داخل مؤسسات التعليم العالي، وذلك عبر تبني مفهوم “المحاضرة الأخيرة” كأداة معرفية تسهم في إعادة بناء المعنى في العمل الأكاديمي.
و مفهوم ” المحاضرة الأخيرة ” بوصفه ممارسة أكاديمية ذات دلالة فلسفية عميقة يقدمها الأستاذ الجامعي في الكثير من الجامعات الأمريكية أو تطلب منه في نهاية مسيرته الأكاديمية والمهنية تتجاوز طابعها الرمزي لتشكل مدخلا لإعادة النظر في طبيعة العمل الأكاديمي ذاته .
وأوضحت العنزي أن الجامعات في العقود الأخيرة شهدت تحولًا واضحًا نحو الاعتماد على المؤشرات الكمية في تقييم الأداء، مثل عدد الأبحاث العلمية ومعدلات الاستشهاد والتصنيفات العالمية، مؤكدةً أن هذه المؤشرات – رغم أهميتها – لا تعكس بصورة كاملة القيمة الحقيقية للجامعة بوصفها مؤسسة منتجة للفكر والمعرفة ذات البعد الإنساني.

وبيّنت أن مفهوم “المحاضرة الأخيرة” (The Last Lecture) تقليد ثقافي في هذه الجامعات ، تُمنح فيه الفرصة للأستاذ الجامعي لتقديم خلاصة تجربته العلمية والفكرية في نهاية مسيرته المهنية، مشيرةً إلى أن هذا التقليد يُعد أحد أشكال نقل المعرفة العميقة التي تتجاوز حدود المناهج التقليدية.

واستشهدت بتجربة الأستاذ Randy Pausch في Carnegie Mellon University، التي لاقت انتشارًا عالميًا، حيث تحولت محاضرته إلى نموذج ملهم يجمع بين الخبرة الأكاديمية والبعد الإنساني، مؤكدةً أن مثل هذه التجارب تعكس قدرة التعليم العالي على إنتاج خطاب معرفي شامل يتجاوز التخصصات الضيقة.

وأضافت أن “المحاضرة الأخيرة” لا تقتصر على كونها نشاطًا رمزيًا، بل تمثل خطابًا تركيبيًا يعيد قراءة المعرفة وربطها بسياقاتها الثقافية والإنسانية، بما يتقاطع مع رؤى مفكرين مثل John Dewey وKarl Popper، اللذين أكدا على أهمية النقد والتجربة في تطوير المعرفة.

وأشارت إلى أن الجامعات السعودية تمتلك رصيدًا كبيرًا من الخبرات الأكاديمية المتراكمة التي لم تُستثمر بالشكل الكافي، حيث يغادر كثير من الأساتذة مواقعهم دون توثيق تجاربهم أو نقلها للأجيال اللاحقة، مما يؤدي إلى فقدان جزء مهم من الذاكرة العلمية المؤسسية.

ودعت العنزي إلى تبني “المحاضرة الأخيرة” كتقليد أكاديمي منظم عند تقاعد أعضاء هيئة التدريس أو انتقالهم، بحيث تُوثق هذه المحاضرات وتُتاح للباحثين وطلبة الدراسات العليا، لتتحول إلى مورد معرفي مستدام يسهم في تطوير البرامج الأكاديمية وتعزيز الهوية العلمية للمؤسسات التعليمية.
لأننا إذا نظرنا إلى مسار الخبرة الأكاديمية في الجامعات السعودية، نجدها شهدت تقاعد أعداد كبيرة من الأستاذة والأكاديميين الذين يمتلكون خبرات علمية وتراكما معرفيا امتد لعقود ، غير أن جزءا مهما من هذه الخبرة لم يوثق ولم يستثمر ، بل غادر مع أصحابه من دون أن يتحول إلى رصيد مؤسسي يمكن الرجوع إليه ، بل إن بعض هذه الخبرات والمعارف انتهى فعليا بوفاة أصحابها في ظل غياب آلية تضمن نقل الخبرة من الجيل المؤسس إلى الأجيال اللاحقة،

وأكدت أن نجاح هذه المبادرة يتطلب وعيًا مؤسسيًا يحول دون اختزالها في إطار احتفالي، مشددةً على ضرورة اختيار الأساتذة وفق معايير علمية دقيقة، أبرزها امتلاك رؤية فكرية متكاملة ناتجة عن مسار علمي طويل، والقدرة على تقديم خطاب نقدي يعالج القضايا الكلية للتخصص.

واختتمت حديثها بالتأكيد على أن “المحاضرة الأخيرة” تمثل لحظة مفصلية في المسار الأكاديمي، تطرح سؤالًا جوهريًا حول ما يبقى من المعرفة بعد غياب صاحبها، معتبرةً أن الإجابة عن هذا السؤال تمثل مفتاح الانتقال من مجرد إدارة المعرفة إلى إنتاجها وإبداعها داخل الجامعات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى