الدرعية.. الطين الذي صنع المجد

الإعلامي والصحفي: محمد آل ضعين
عضو هيئة الصحفيين السعوديين
الحكاية لم تبدأ بورقة وقلم، بل بدأت بضربة فأس في “غصيبة” وعزيمة رجل قرأ المستقبل قبل ثلاثة قرون. في عام 1727م، لم تكن الجزيرة العربية مجرد رمال وشمس، كانت شتاتاً ينتظر “جامعاً”، وفوضى تبحث عن “دولة”. ومن قلب الدرعية، أطلّ الإمام محمد بن سعود، لا ليعلن حكماً عابراً، بل ليضع حجر الأساس لمشروع سياسي غيّر وجه التاريخ.
الدرعية حينها لم تكن مجرد عاصمة؛ كانت “المختبر الأول” لصناعة الهوية. هناك، تعلّم الناس أن الوحدة ليست شعاراً، بل هي أمنٌ يحلّ مكان الخوف، ونظامٌ ينهي زمن الفوضى. كانت الشرارة التي أقنعت الجميع بأننا لسنا مجرد قبائل متناثرة، بل نحن “أمة” واحدة يربطها مصير لا يقبل القسمة.
توالت الفصول، وتعثرت الخطى أحياناً لكنها لم تتوقف. حتى جاءت اللحظة الفارقة عام 1902م. حينها، لم يستعد الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه-الرياض بالصدفة، بل استعاد “الحق التاريخي”. خاض ملحمة بناء استمرت ثلاثين عاماً، لم يكن يجمع فيها الأراضي فحسب، بل كان يرمّم القلوب ويصهرها في بوتقة واحدة، حتى أعلن في 1932م ميلاد “المملكة العربية السعودية”.. الاسم الذي اختصر المجد والوحدة.
إن احتفاءنا بـ “يوم التأسيس” ليس مجرد “فولكلور” أو استعادة لماضٍ صامت. حين يرتدي الشاب اليوم “العقال المقصب” وتتباهى الفتاة بـ “المروّدن”، فنحن لا نمثل دوراً تاريخياً، بل نعلن عن “بصمة وراثية” وطنية. هي رسالة للعالم: نحن نبني “نيوم” ونعانق الفضاء، لكننا لا ننسى رائحة طين الدرعية التي سكنت أظافر أجدادنا.
اليوم، نعيش فصلاً جديداً من القصة، يقوده خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -أيده الله- بحكمة مَن يعرف التاريخ وتفاصيله، وإلى جانبه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله- الذي قرر أن يختصر الزمن. برؤيته، لم يعد الطموح مجرد أمنية، بل صار واقعاً يربط عبق التراث بآفاق الحداثة العالمية.
السعودية ليست مصادفة جغرافية، وليست دولة صنعتها “رياح العبور”. نحن كيانٌ نُحت في الصخر بصبر الأبطال وصمود الأجداد. بدأت الحكاية من الطين، وتستمر اليوم لتلامس العنان، لتبقى هذه الأرض -دائماً وأبداً- هي الأصل، والمنارة التي لا تغيب.




