مقالات وكتاب

هل انتهى الشغف… أم حان وقت التغيير؟

ليس فقدان الشغف حدثًا عابرًا، ولا حالة كسَل مؤقتة كما يظن البعض. هو شعور ثقيل يتسلل بصمت، حتى نجد أنفسنا نؤدي حياتنا بلا نبض، وننجز أعمالنا بلا رغبة حقيقية. نبتسم، ننجح، ونستمر… لكن شيئًا في الداخل منطفئ.

في السنوات الأخيرة، أصبح فقدان الشغف ظاهرة إنسانية مشتركة، لا تفرّق بين ناجح ومجتهد أو طموح ومتقدم في مساره. بل لعلّ أكثر من يعاني منه هم أولئك الذين أعطوا كثيرًا، وتحملوا أكثر مما ينبغي، حتى نسوا أنفسهم في الطريق.

فقدان الشغف لا يعني أن الحلم مات، بل قد يعني أننا تعبنا من حمله وحدنا. وقد يكون رسالة صادقة من الداخل تقول: «توقف قليلًا، راجع اتجاهك، وامنح روحك حقها».

لماذا نفقد الشغف؟
تتعدد الأسباب، لكن أبرزها يتمثل في الاستنزاف النفسي، ضغط التوقعات، مقارنة الذات بالآخرين، والخوف المستمر من الفشل أو خيبة الأمل. ومع الوقت، يتحول الشغف من طاقة دافعة إلى عبء ثقيل.

كيف نبدأ الحل؟
البداية لا تكون بالقوة، بل بالفهم.

مثال إنساني واقعي:
أحمد، موظف في منتصف الثلاثينات، حقق ما كان يحلم به يومًا؛ وظيفة مستقرة، تقدير مهني، ودخل جيد. لكن في كل صباح كان يشعر بثقلٍ لا تفسير له. لم يكن يكره عمله، لكنه لم يعد يحبه. استمر لسنوات يضغط على نفسه، حتى أدرك أن المشكلة لم تكن في الطموح، بل في أنه لم يمنح ذاته فرصة للتوقف والمراجعة. حين سمح لنفسه بإعادة ترتيب أولوياته، وتخفيف وتيرة حياته، عاد الشغف تدريجيًا… ليس كما كان، بل أنضج وأصدق.

أولًا: التصالح مع التعب
التعب ليس عيبًا، والاعتراف به ليس ضعفًا. حين نتوقف عن جلد الذات، نمنحها فرصة حقيقية للتعافي.

ثانيًا: إعادة ترتيب الأولويات
ليس كل ما بدأناه يجب أن نكمله بالطريقة نفسها. أحيانًا نحتاج إلى تعديل المسار لا إلغائه.

ثالثًا: فصل الشغف عن رضا الآخرين
حين يصبح هدفنا إرضاء الجميع، نفقد علاقتنا بما نحب فعلًا. الشغف يولد من الداخل، لا من التصفيق الخارجي.

رابعًا: العودة إلى الذات لا إلى الضجيج
الهدوء، العزلة الواعية، والابتعاد المؤقت عن المقارنات الرقمية، خطوات صغيرة لكنها مؤثرة في استعادة الإحساس بالحياة.

وفي هذا السياق، يذكّرنا القرآن الكريم بأن الضيق ليس نهاية المطاف، قال تعالى:

«فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا»

وكأن الآية تخاطب من فقد شغفه بأن النور لا يغيب، لكنه يتأخر أحيانًا ليُعلّمنا كيف نراه.

فقدان الشغف ليس فشلًا شخصيًا، بل محطة إنسانية. محطة نتعلم فيها أن نكون أرحم بأنفسنا، وأن نختار ما يشبهنا فعلًا، لا ما فُرض علينا.

فإن كنت تمرّ بهذه المرحلة، تذكّر: الشغف لا يُستعاد بالقسوة، بل بالصدق مع النفس، وبالشجاعة على التغيير
بقلم الكاتبة.فدوى عبد الحي

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى