السرعة بلا بوصلة .. لا قيمة لها

الإعلامي والصحفي: محمد آل ضعين
عضو هيئة الصحفيين السعوديين
يميل الإنسان بطبيعته الفطرية إلى العجلة في كل شؤون حياته، فنحن نعيش في عصر يقدس السرعة والنتائج الفورية. نريد الحصول على كل شيء الآن، ونعتقد واهمين أن السرعة هي المقياس الوحيد للنجاح، سواء في حياتنا الشخصية أو في بيئة عملنا ومؤسساتنا. لكن هذه الرغبة الملحة في الاستعجال تحمل في طياتها خطرًا كبيرًا؛ فالتحرك بسرعة هائلة دون وجود رؤية واضحة للاتجاه غالبًا ما يحول الجهد البشري الصادق إلى مجرد عبء ثقيل بلا قيمة حقيقية. ومن هنا تبرز الحكمة الخالدة التي تنصح بتقديم “البوصلة قبل الساعة”، لتؤكد لنا أن الاتجاه دائمًا أهم من الوقت المستغرق؛ فالسرعة وحدها لا تصنع التغيير المنشود، بل إن الاتجاه الصحيح هو ما يمنح العمل قيمته وجدواه وفعاليته.
إن السرعة بلا بوصلة لا قيمة لها، لأنها ببساطة مجرد حركة عشوائية بلا هدف واضح. نرى الكثيرين اليوم يندفعون بحماس كبير لتحقيق الإنجازات دون أن يطرحوا على أنفسهم الأسئلة الجوهرية: إلى أين أريد أن أصل فعلياً؟ وماذا يمثل النجاح الحقيقي بالنسبة لي؟ قد تتحرك المشاريع بسرعة وتُنجز المهام في أوقاتها، لكن النتائج الفعلية تظل باهتة ومحدودة إذا لم يكن المسار مرسوماً بدقة منذ البداية. وهذا ما تؤكده لنا دائماً التجارب الفردية والمؤسسية، فمعظم حالات الإخفاق المريرة لا تنتج عن كسل أو ضعف في بذل الجهد، بل هي نتيجة مباشرة للتحرك السريع في مسار خاطئ أو غير محسوب بدقة.
وعلى صعيد المؤسسات والشركات، تؤدي السرعة التي تفتقر إلى الرؤية الواضحة إلى نتائج عكسية تماماً وتخبط استراتيجي، بينما المؤسسات التي تهتم بتحديد اتجاهها وأهدافها أولًا، حتى وإن كانت أكثر تمهّلًا في خطواتها الأولى، هي التي تحقق أثرًا مستدامًا ونجاحاً راسخاً. البوصلة هنا ليست مجرد أداة مادية، بل هي تعبير عن وضوح الرؤية، وترتيب الأولويات بشكل صحيح، وفهم السياق المحيط بنا، مما يجعل كل خطوة نقوم بها محسوبة وتصب في مصلحة الهدف الكبير.
ولا يقتصر هذا الأمر على المنظمات الكبرى، بل يشمل الأفراد في حياتهم اليومية. إن التمهّل لمراجعة المسار وتدقيق الخيارات قبل اتخاذ أي قرار يعزز قدرة الشخص على إدارة وقته بذكاء، ويساعده على تحديد المخاطر وتجاوزها، وبالتالي تحويل كل ذرة جهد إلى قيمة حقيقية ملموسة. إن التواصل الفعّال مع الآخرين ومشاركة الرؤية بوضوح يزيدان من فعالية القرارات، ويحوّلان السرعة من مجرد ضغط عصبي وتوتر إلى أداة استراتيجية ذكية للوصول والتميز.
في النهاية، الدرس واضح للجميع: لا تندفع خلف السرعة الزائفة ولا تسرع بلا تفكير عميق. قبل أن تضغط بقوة على دواسة الانطلاق، تأكد تماماً من سلامة الاتجاه وصحة المسار. فحين تكون البوصلة واضحة والهدف محدداً، تصبح السرعة أداة قوية جداً، ويصبح الجهد مبنيًا على معنى، وتغدو الرحلة نحو النجاح أكثر حكمة وثباتاً وجمالاً.




