المستشار الإعلامي علي القرني يتساءل: الشهادات أم المهارات… أيهما يصنع الفارق في سوق العمل؟

أكد المستشار الإعلامي علي بن عايض القرني أن التحولات المتسارعة التي يشهدها سوق العمل تفرض إعادة النظر في المفهوم التقليدي للكفاءة المهنية، مشيرًا إلى أن امتلاك الشهادة العلمية، مهما بلغت قيمتها، لم يعد كافيًا وحده لإثبات الجدارة الوظيفية، ما لم يصاحبه تمكن عملي وقدرة على الابتكار وتحمل المسؤولية وتحقيق النتائج.
وتساءل القرني: هل أصبحت المهارات العملية أكثر أهمية من الشهادات الأكاديمية في سوق العمل؟ وهل ما زالت المؤهلات العلمية وحدها قادرة على ضمان مستقبل مهني ناجح في ظل التطورات التقنية والاقتصادية المتلاحقة؟
وأوضح أن الإجابة لا تكمن في المفاضلة المطلقة بين الشهادة والمهارة، وإنما في تحقيق التكامل بينهما، فالشهادة تمنح الإنسان المعرفة والأساس العلمي، بينما تمنحه المهارات القدرة على تحويل تلك المعرفة إلى إنجازات ونتائج ملموسة.
الشهادة بداية الطريق وليست نهايته
وبيّن القرني أن التعليم الجامعي يمثل ركيزة أساسية في بناء الإنسان وتأهيله علميًا ومهنيًا، إلا أن الخطأ يكمن في الاعتقاد بأن الحصول على المؤهل العلمي يعني اكتمال الاستعداد لدخول سوق العمل.
وقال إن الشهادة تثبت اجتياز مرحلة تعليمية محددة، لكنها لا تكشف بالضرورة عن قدرة صاحبها على إدارة المواقف الصعبة أو اتخاذ القرارات المناسبة أو التعامل مع ضغوط العمل والتحديات اليومية.
وأضاف أن بعض الشباب يقضون سنوات طويلة في التحصيل العلمي، ثم يكتشفون عند دخول سوق العمل أنهم بحاجة إلى مهارات إضافية لم تمنحهم إياها القاعات الدراسية، مثل التفاوض وإدارة الوقت والتواصل المؤسسي والتفكير الإبداعي وحل المشكلات.
المؤسسات لا توظف الشهادات بل تستثمر في الإنسان
وأشار القرني إلى أن المؤسسات الناجحة لا تقيس قيمة موظفيها بعدد الشهادات التي يحملونها، وإنما بمستوى أدائهم وقدرتهم على تطوير العمل وتحسين نتائجه.
وأوضح أن الموظف الذي يمتلك روح المبادرة والمرونة والقدرة على التعلم المستمر قد يكون أكثر تأثيرًا في بعض الوظائف من موظف يحمل مؤهلات علمية أعلى، لكنه يفتقر إلى المهارات اللازمة لتوظيف معرفته.
وأكد أن هذا الطرح لا يعني التقليل من أهمية التخصصات العلمية أو تجاهل المؤهلات المطلوبة نظامًا لممارسة بعض المهن، وإنما يدعو إلى تحقيق التوازن بين التأهيل الأكاديمي والكفاءة التطبيقية.
الخبرة لا تقاس بعدد السنوات
وتطرق القرني إلى مفهوم الخبرة المهنية، موضحًا أن عدد سنوات الخدمة لا يعكس دائمًا حجم الخبرة الحقيقية، فقد يعمل شخص عشر سنوات دون تطوير ملموس لمهاراته، بينما يتمكن آخر خلال فترة أقصر من اكتساب تجارب متنوعة وتحقيق إنجازات مؤثرة.
وأضاف أن الخبرة الحقيقية تقاس بما يتعلمه الإنسان من المواقف، وما يكتسبه من قدرات، وما يقدمه من حلول، وليس بمجرد المدة التي يقضيها في الوظيفة.
وشدد على أن الموظف الذي يتوقف عن التعلم وتطوير قدراته قد يجد نفسه بعد سنوات أمام متطلبات مهنية جديدة لا يمتلك أدوات التعامل معها، خصوصًا في ظل التحولات التقنية المتسارعة.
الذكاء الاصطناعي يغير قواعد المنافسة
وأوضح القرني أن انتشار تطبيقات الذكاء الاصطناعي أضاف بُعدًا جديدًا إلى المنافسة المهنية، إذ لم تعد المعرفة وحدها كافية للتميز في العديد من المجالات، بعدما أصبحت التقنيات الحديثة قادرة على إنجاز مهام متعددة خلال وقت قصير.
وأشار إلى أن القيمة المهنية ستزداد لدى الأشخاص القادرين على توظيف هذه الأدوات بوعي وكفاءة، والتحقق من مخرجاتها، وربطها بالخبرة الإنسانية والحكم المهني السليم.
وأكد أن المهارة الأهم في المرحلة المقبلة ليست مجرد معرفة استخدام التقنية، بل القدرة على التفكير المستقل وتقييم المعلومات واتخاذ القرارات المسؤولة.
مسؤولية مشتركة بين الجامعات وأصحاب العمل
ودعا القرني إلى تعزيز التكامل بين المؤسسات التعليمية وقطاعات الأعمال، عبر توسيع فرص التدريب العملي، وربط البرامج الأكاديمية بالاحتياجات الفعلية لسوق العمل، وإتاحة المجال للطلاب لاكتساب الخبرات قبل التخرج.
كما أكد أهمية تبني المؤسسات برامج مستمرة لتطوير موظفيها، وألا تقتصر عملية تقييم الكفاءات على المؤهلات وسنوات الخدمة، بل تشمل جودة الأداء والقدرة على التعلم والمبادرة وتحقيق الإنجازات.
وأشار إلى أن بناء الكفاءات الوطنية المؤهلة يمثل أحد المرتكزات المهمة لمواكبة الفرص الاقتصادية والتنموية التي تشهدها المملكة العربية السعودية في ظل رؤية المملكة 2030 التي تفتح آفاقًا واسعة للشباب في قطاعات التقنية والسياحة والإعلام والرياضة والخدمات وريادة الأعمال.
رسالة إلى الشباب المقبلين على سوق العمل
ووجّه القرني رسالة إلى الشباب المقبلين على سوق العمل، دعاهم فيها إلى عدم انتظار التخرج لبدء بناء مستقبلهم المهني، مؤكدًا أن المهارات تتكون بالممارسة والتجربة والمبادرة والتعلم المستمر.
وأوضح أن المشاركة في الأنشطة الجامعية والعمل التطوعي والتدريب المهني والمشروعات الصغيرة تمنح الشباب فرصًا لاكتشاف قدراتهم، وتساعدهم على بناء الثقة واكتساب الخبرة العملية.
وأضاف أن من المهم أن يحرص الشاب على بناء سجل من الإنجازات القابلة للإثبات فضلاً عن سيرته الذاتية، لأن القدرة على عرض الأعمال المنجزة أصبحت عنصرًا مهمًا في المنافسة على العديد من الفرص المهنية.
الإنجاز هو الاختبار الحقيقي للكفاءة
واختتم المستشار الإعلامي علي بن عايض القرني بالتأكيد على أن المستقبل المهني لا ينبغي أن يقوم على المفاضلة بين الشهادة والمهارة، بل على التكامل بين المعرفة والتطبيق، وبين التأهيل العلمي والسلوك المهني.
وأشار إلى أن المؤهل العلمي يمنح صاحبه أساسًا ينطلق منه، بينما تمنحه المهارات القدرة على المنافسة، ويأتي الإنجاز ليبرهن على كفاءته ويعزز فرص تقدمه.
وقال القرني في ختام طرحه:
«ليست القضية كم شهادة يحملها الإنسان، بل كم مشكلة يستطيع حلها، وكم فكرة يمكنه تحويلها إلى واقع، وكم قيمة يضيفها إلى المكان الذي يعمل فيه؛ فالشهادة تثبت أنك تعلمت، والمهارة تثبت أنك تستطيع، أما الإنجاز فهو الدليل الحقيقي على قيمتك في سوق العمل».



