بناء العضلات بعد الخمسين: ضرورة صحية تدعمها الأدلة العلمية

أكد الخبير حاتم سبيتان أن بناء العضلات والحفاظ على القوة البدنية بعد سن الخمسين لم يعد ترفاً جمالياً أو خياراً ثانوياً، بل أصبح ضرورة صحية محورية تسهم في تعزيز جودة الحياة والوقاية من المشكلات المرتبطة بالتقدم في العمر، مشيراً إلى أن ممارسة تمارين المقاومة بانتظام تساعد الإنسان على الحفاظ على استقلاليته وقدرته على أداء أنشطته اليومية بكفاءة.
العضلات والتقدم في العمر: مواجهة علمية للساركوبينيا (Sarcopenia)
يشير سبيتان إلى أن جسم الإنسان يبدأ بفقدان جزء من كتلته العضلية تدريجياً مع التقدم في العمر، وتزداد أهمية الحفاظ على العضلات بعد الخمسين، خصوصاً مع انخفاض مستوى النشاط البدني، الأمر الذي قد يؤدي إلى ضعف القوة العضلية وتراجع التوازن وزيادة احتمالات السقوط والإصابات.
وتتوافق هذه الرؤية مع ما توصلت إليه الدراسات العلمية الحديثة، إذ تُعرف هذه الظاهرة بـ«الساركوبينيا» أو ضمور العضلات المرتبط بالعمر. وتشير مراجعة علمية نُشرت عام ألفين وخمسة وعشرين في مجلة «العلوم البدنية والرياضية اليابانية» إلى أن فقدان الكتلة العضلية ليس التغير الوحيد الذي يطرأ على العضلات مع التقدم في العمر، بل هناك تغيرات نوعية أكثر تعقيداً تشمل التليف العضلي، وانخفاض كثافة الخلايا العضلية، وتسرب الأنسجة الدهنية بين الألياف العضلية وداخلها. وتسهم هذه التغيرات مجتمعة في تراجع القوة العضلية والقدرة الوظيفية، ما يجعل التدخل المبكر ضرورة صحية لا رفاهية.
تصحيح المفاهيم: العضلات ليست حكراً على الشباب
أشار سبيتان إلى أن الاعتقاد السائد بأن تمارين بناء العضلات مخصصة للشباب فقط يُعد من المفاهيم الخاطئة، مؤكداً أن الأشخاص الذين تجاوزوا الخمسين والستين وحتى السبعين عاماً يستطيعون تحسين قوتهم العضلية ولياقتهم البدنية عبر برامج تدريبية مناسبة لأعمارهم وحالاتهم الصحية.
وتدعم الأبحاث الحديثة هذا الطرح بصورة قاطعة. فقد أظهرت دراسة نُشرت عام ألفين وخمسة وعشرين في مجلة «ScienceDirect» أن للتدريب بالمقاومة تأثيرات إيجابية متعددة في صحة العضلات والتمثيل الغذائي حتى لدى البالغين في منتصف العمر وكبار السن الذين يعانون السمنة ومرض السكري من النوع الثاني. كما تؤكد منظمة الصحة العالمية أن كبار السن «يستجيبون جيداً لتدريب القوة ورفع الأثقال تماماً مثل الشباب»، وأنه «لم يفت الأوان أبداً» لبدء النشاط البدني في أي عمر.
بناء العضلات وتقويتها: ليس بالضرورة رفع الأثقال
أضاف سبيتان أن بناء العضلات لا يعني بالضرورة رفع الأوزان الثقيلة أو ممارسة التمارين المجهدة، بل يمكن تحقيق نتائج إيجابية باستخدام الأوزان الخفيفة والمتوسطة وأجهزة المقاومة والتمارين التي تعتمد على وزن الجسم، شريطة الانتظام والالتزام بالتقنيات الصحيحة أثناء الأداء.
ويؤكد هذا التوجه ما توصلت إليه المراجعات العلمية من أن التدريب بالمقاومة بطرق بديلة أكثر ملاءمة لكبار السن قد يكون فعالاً أيضاً مثل الطرق التقليدية عالية الشدة. كما تدرج الإرشادات الدولية التدريب بالمقاومة ضمن البرامج متعددة المكونات التي تشمل أنشطة توازن وتمارين وظيفية، والتي يمكن تصميمها باستخدام أوزان الجسم أو أشرطة المقاومة أو معدات بسيطة دون الحاجة إلى صالات رياضية متخصصة.
فوائد تتجاوز العضلات: العظام والتمثيل الغذائي
بيّن سبيتان أن الحفاظ على الكتلة العضلية يؤدي دوراً مهماً في دعم صحة العظام والمفاصل وتحسين التوازن والحركة، كما تساعد تمارين المقاومة على تحسين حساسية الجسم للإنسولين وتنظيم مستويات السكر في الدم.
وتؤكد الأبحاث الحديثة هذه الفوائد المتشعبة. فقد أظهر تحليل تلوي شمل اثنتي عشرة تجربة عشوائية محكومة نُشر في «مكتبة كوكرين» أن التدريب بالمقاومة يخفض بصورة ملحوظة مؤشر «HOMA-IR» (مقياس مقاومة الإنسولين) ومستويات «HbA1c» لدى كبار السن، مع تأثيرات أقوى للبرامج عالية الشدة وطويلة الأمد. وفيما يتعلق بصحة العظام، تشير مراجعة منهجية إلى أن التدريب المتدرج بالمقاومة بشدة متوسطة إلى عالية قد يحسّن كثافة المعادن العظمية في عنق الفخذ لدى النساء بعد انقطاع الطمث. كما وجدت مراجعة أُجريت عام ألفين وثلاثة وعشرين أن التدريب بالمقاومة يمكن أن يكون له تأثير إيجابي متوسط الحجم في جودة الحياة لدى البالغين المعرضين لخطر الكسور.
التغذية: حجر الزاوية المكمّل
لفت سبيتان إلى أن التغذية المتوازنة تمثل عنصراً أساسياً في الحفاظ على العضلات، خصوصاً الحصول على كميات مناسبة من البروتين وفق الاحتياجات الصحية لكل شخص، فضلاً عن النوم الكافي وشرب الماء والاهتمام بفترات الراحة والتعافي.
وتوصي الأبحاث الحديثة بأن كبار السن يحتاجون إلى كميات أعلى من البروتين مقارنة بالبالغين الأصغر سناً. فبينما تبلغ التوصيات العامة للبالغين نحو 0.8 غرام لكل كيلوغرام من وزن الجسم يومياً، تشير مراجعة علمية نُشرت عام ألفين وخمسة وعشرين إلى أن التوصيات قد تحتاج إلى الارتفاع إلى أكثر من غرام واحد لكل كيلوغرام يومياً للحفاظ على الكتلة العضلية مع التقدم في العمر. وتتسق مع ذلك توصيات «جامعة كاليفورنيا» التي تنصح كبار السن بتناول ما بين 1.2 و1.6 غرام من البروتين لكل كيلوغرام من وزن الجسم يومياً.
البداية الصحيحة: التدرج والاستشارة
شدّد سبيتان على أهمية عدم الاندفاع في بداية ممارسة الرياضة، خاصة لمن انقطعوا عن النشاط البدني لسنوات طويلة، موضحاً أن البداية الصحيحة تعتمد على تقييم الحالة الصحية والقدرات البدنية ووضع برنامج تدريبي تدريجي، مع استشارة الطبيب عند وجود أمراض مزمنة.
وتوصي منظمة الصحة العالمية بأن يبدأ كبار السن بكميات صغيرة من النشاط البدني ثم يزيدوا تدريجياً من التكرار والشدة والمدة بمرور الوقت. كما تؤكد أن النشاط البدني آمن لمعظم الناس في أي عمر وفي ظل أي حالة صحية تقريباً، مع ضرورة تعديل مستوى الجهد وفقاً للياقة الفردية.
ممارسة منتظمة: مرتين إلى ثلاث مرات أسبوعياً
أكد سبيتان أن ممارسة تمارين المقاومة مرتين إلى ثلاث مرات أسبوعياً، وفق القدرة البدنية والحالة الصحية، يمكن أن تحقق فوائد ملموسة مع مرور الوقت، مشيراً إلى أن الاستمرارية والالتزام أهم بكثير من شدة التمارين أو سرعة ظهور النتائج.
وتتفق إرشادات منظمة الصحة العالمية مع هذا التوجه، إذ توصي كبار السن بممارسة أنشطة تقوية العضلات بمشاركة جميع المجموعات العضلية الرئيسية في يومين أو أكثر أسبوعياً، مع إضافة أنشطة توازن وتمارين وظيفية في ثلاثة أيام أو أكثر أسبوعياً لتعزيز القدرة الوظيفية والوقاية من السقوط.
خاتمة: العمر ليس عائقاً بل دافعاً
واختتم الخبير حاتم سبيتان حديثه بالتأكيد على أن التقدم في العمر لا يعني التوقف عن ممارسة الرياضة، بل يتطلب اهتماماً أكبر بالصحة البدنية، قائلاً: «العضلات ليست مجرد مظهر رياضي، بل هي مصدر للقوة والاستقلالية وجودة الحياة، وكلما حافظ الإنسان على قوته العضلية استطاع الاستمتاع بحياة أكثر نشاطاً وقدرة على الحركة، فالعمر ليس عائقاً أمام الرياضة، وإنما الدافع الحقيقي للاهتمام بها».
وتظل الرسالة العلمية واضحة: بناء العضلات بعد الخمسين ليس ترفاً، بل استثمار في الصحة والاستقلالية وجودة الحياة، تدعمه أدلة علمية متزايدة وتوصيات بحثية.



