حكم الجمهور الناقد

تعد الشبكات الاجتماعية إحدى أكبر الركائز التي تميز عصرنا الحالي عن غيره من العصور السابقة، والتي أتاحت للجميع تقريباً وبلا استثناء نافذة حرة للتعبير عن آرائهم ومواقفهم وقناعاتهم في مختلف القضايا والمسائل بشكل لم تشهد له البشرية مثيلاً من قبل.
ومن أكثر المسائل التي تتجلى فيها هذه الحرية، هي نقد المحتوى الإعلامي المقدم للجمهور، والذي يصل إلى ذروته خلال شهر رمضان، حيث تكون الشبكات الاجتماعية هي الوجهة الرئيسة للغالبية العظمى من متابعي الموسم الرمضاني للتعبير عن آرائهم فيما يقدم به من محتوى يوماً بيوم وحلقة بحلقة، بل وربما مشهد بمشهد..!
والمطالع للنقاشات الدائرة على الشبكات الاجتماعية بشأن المحتوى الإعلامي سيجد أن الجمهور لم يعد يفوته شيء، ولا يمكن أن يمر عليه أي خطأ، كبر أو صغر، حيث يفحص كل شيء ويعلق على أي هفوة ويبدي رأيه في كل عناصر العمل مهما كانت بسيطة وغير ملفتة، ولا يتوقف عن إصدار الأحكام على الأعمال سواء بالنجاح أو بالفشل.
وهو ما جعل صناع المحتوى يولون اهتماماً كبيراً لما يقال عن أعمالهم على الشبكات الاجتماعية، ويقيسون نجاحهم طبقاً لردود الأفعال التي تأتيهم على تويتر وفيسبوك وإنستغرام وغيرها، ويتفاعلون مع آراء الجمهور ويصدرون البيانات ليوضحوا أمراً أو ينفوا فكرة أو يدافعوا عن أنفسهم ضد ما يتعرضون له من هجوم، وهو ما يكشف عن حجم التأثير الذي بات يلعبه جمهور الشبكات الاجتماعية.
ولكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل آراء هذا الجمهور صائبة دائما..؟ هل حكمه على عمل ما بأنه ضعيف ولا يرقى للمستوى يعني أنه فاشل فعلاً..؟ وهل تقديره لعمل آخر والإشادة به يعني أنه حاز النجاح حقاً..؟
الحق أن هذه المسألة تحتاج منا استخدام أدوات تحليل البيانات وتجربتها على أمثلة كثيرة للوصول إلى حكم قاطع عن مدى صوابية الأحكام الجماعية لمستخدمي تلك الشبكات، ولكن بعيداً عن تحليل البيانات، يمكن لنا أن نستنتج قاعدة بسيطة، مفادها أن الجمهور لا يجمع على أي شيء بنسبة 100 % أبداً، وبالتالي فإن هذا الجمهور لا يصح له أن يدعي امتلاك الحقيقة. ولكي تعي ما أقول، اذهب وابحث عن آراء الجمهور بشأن أي عمل مقدم في رمضان هذا العام، وبكل ثقة أؤكد لك أنك لن تجد إجماعا حول أي عمل، فأي مجموعة تمتدح عملاً، ستجد على الجانب الآخر من يهاجمه وينتقده، ومن يرون عملاً ما أنه حاز أعلى درجات التفوق والدقة، ستجد آخرين يهبطون به إلى أسفل سافلين ويتهمونه بالسطحية والضعف.
ولكن هذا لا يعني أن نتجاهل آراء هذا الجمهور الناقد بالكلية، بل يجب علينا أن نستمع إليه ولكن بحذر وتروٍ، ولا نعتبر حكمه نهائياً وقاطعاً كحد السيف، بل ننظر له بوصفه مؤشرا يؤخذ منه ويرد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى