حصار هرمز.. اليوم التالي لسقوط ورقة الضغط الإيرانية

أعادت الحرب الدائرة في المنطقة تشكيل التوقعات المستقبلية للاقتصاد العالمي، في ظل حديث متزايد عن تغيّر محتمل في واقع الملاحة البحرية، بما ينعكس مباشرة على أسعار النفط والسلع على المستويين الدولي والإقليمي.
وتشير تلميحات الرئيس الأميركي بشأن احتمال توسيع دور الأسطول الخامس، إذا واصلت إيران تعطيل الملاحة في مضيق هرمز واستهداف دول الجوار، إلى انتقال محتمل في السياسة الأميركية من عقيدة “حماية حرية الملاحة” إلى عقيدة “التمركز طويل المدى”، بما يعني إعادة صياغة كاملة لمعنى الردع في الممر الأكثر حساسية في سوق الطاقة العالمي.
فوجود قواعد أميركية ثابتة على جزر مثل أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى، التي تحتلها إيران منذ عام 1971، سيعني أن واشنطن لم تعد تكتفي بمرافقة السفن أو ردع الهجمات، بل أصبحت تمسك فعليًا بالمفاتيح النارية للممر، من الدوريات إلى الإمساك بمدخل المضيق ذاته.
وإذا تحقّق هذا السيناريو، فسيكون أعمق من مجرد توسيع لعمل الأسطول الخامس الأميركي لاسيما وأن مضيق هرمز يمر عبره نحو 20 مليون برميل يوميًا من النفط، أي ما يعادل قرابة 20 بالمائة من الاستهلاك العالمي من السوائل النفطية، وحوالي ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا، فيما يمر عبره أيضًا نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا، مع ذهاب الجزء الأكبر من هذه الإمدادات إلى آسيا.
وهذا يعني أن أي قوة تفرض حضورًا ناريًا دائمًا على المضيق لا تتحكم فقط في طريق ملاحي، بل تمسك بمحرك رئيسي في الاقتصاد العالمي.
ويبدو الأهم استراتيجيًا أن حديث الرئيس ترامب عن “سيادة” أميركية على هرمز يبقى تعبيرًا سياسيًا أكثر منه وصفًا قانونيًا دقيقًا، لا سيّما أن مسارات العبور التجارية تقع أساسًا في المياه الإقليمية العُمانية، وجزئيًا في المياه الإيرانية، وهي محكومة بمبدأ “المرور العابر” في قانون البحار، الذي ينص على أن عبور السفن والطائرات في المضائق الدولية لا ينبغي تعطيله.
ويبدو أن أي انتقال أميركي من حماية العبور إلى فرض سيطرة عسكرية دائمة على الجزر والمفاتيح النارية المحيطة بالممر سيعني عمليًا الانتقال من منطق تطبيق القانون البحري إلى منطق إعادة هندسة ميزان القوة بالقوة المسلحة.
أما في ما يتعلق بمصير النظام الإيراني في هذا السيناريو، فإن الإجابة الدقيقة لا تذهب إلى حدّ تحوّلها دولة حبيسة بالمعنى الجغرافي الصارم، لكنها ستفقد بشكل كبير أدوات ضغطها السابقة، لا سيّما بعد دمار قواتها البحرية.
ورغم امتلاك إيران ساحلًا طويلًا على خليج عمان، إلا أنها لا تملك بدائل ذات فاعلية في حال سيطرة واشنطن على هرمز؛ فبيانات الطاقة الدولية تشير إلى أن خط وميناء جاسك بقيا عمليًا خارج الخدمة التجارية المستقرة، أو على الأقل غير قادرين على تعويض الوزن الحقيقي لهرمز في الصادرات الإيرانية.
لذلك، فإن خسارة طهران للجزر المتقدمة عند مدخل المضيق قد تحوّلها إلى قوة بحرية منزوعة القدرات داخل الخليج، بفقدان أهم ورقة ضغط تمتلكها، وهي القدرة على تهديد المرور، ورفع كلفة التأمين، وفرض خوف دائم على الأسواق دون الحاجة إلى إغلاق كامل ومستمر للممر.
والأخطر من ذلك أن الجزر الثلاث لا تمثّل مجرد مواقع عسكرية متقدمة، بل تشكّل العمود الفقري لمنظومة القوات البحرية الإيرانية في الخليج. إذ من هذه الجزر تنطلق عمليات الاستطلاع والإنذار المبكر، وعليها تتمركز قواعد الزوارق السريعة القادرة على تنفيذ هجمات خاطفة في عمق المضيق، ومنها تُوجَّه منظومات الصواريخ المضادة للسفن التي تمنح البحرية الإيرانية قدرة على فرض ما يشبه منطقة حرمان بحري عند مدخل هرمز.
وبفقدان هذه المواقع، لا تخسر إيران مجرد نقاط على الخريطة، بل تخسر المسافة التي تفصل بين قوة بحرية قادرة على التهديد الاستباقي وقوة محصورة في ردّ الفعل من سواحلها القريبة ما يعني تقلّص قدرة طهران على إغلاق المضيق أو حتى التلويح بإغلاقه من تهديد يُحسب له حساب يومي في أسواق الطاقة إلى مجرد خطاب سياسي لا تسنده جغرافيا عسكرية فاعلة.
وفي هذا السيناريو، لن تكون الضربة الحقيقية عسكرية فقط، بل نفسية وسياسية أيضًا. فالنظام الإيراني بنى لسنوات جزءًا كبيرًا من وزنه الإقليمي على فكرة أن المساس به سيعني تعريض شريان الطاقة العالمي للاهتزاز.
وإذا نُزعت منه هذه الورقة، فإن طهران لن تخسر فقط أداة عسكرية، بل ستخسر الرواية التي بنت عليها جزءًا من شرعيتها الإقليمية: رواية الدولة التي لا يمكن تجاوزها لأنها تجلس على شريان العالم.
وإذا فقدت إيران اليد العليا ميدانيًا في هرمز، فإن واشنطن ستتحول عمليًا إلى “شرطي المرور” لأحد أهم تدفقات الطاقة في العالم. غير أن هذا الوضع يحمل مفارقة واضحة: فهو قد ينهي جزءًا كبيرًا من حقبة “الابتزاز النفطي” المرتبط بالتهديد الإيراني، لكنه في الوقت ذاته يمنح الولايات المتحدة سلطة استثنائية على ممر يمر عبره الجزء الأكبر من صادرات النفط والغاز المتجهة إلى آسيا، لا إلى الغرب فقط.
ومعنى ذلك أن واشنطن لن تكون مجرد ضامن أمني، بل فاعلًا قادرًا على طمأنة السوق أو توتيره بمجرد تغيير قواعد التفتيش، أو مستوى الحماية، أو تعريف “العبور الآمن”.
والأبعد أثرًا أن السيطرة المباشرة على ممر يعبره نحو 20 بالمائة من إنتاج النفط العالمي تمنح واشنطن ما يشبه صلاحية “حارس البوابة”: ففي أي أزمة دولية أو مواجهة جيوسياسية، تصبح الولايات المتحدة هي الجهة التي تقرّر فعليًا أي الدول تحصل على إمداداتها بلا عوائق وأيها قد تجد تدفقاتها مهددة بالتأخير أو التعقيد اللوجستي.
وهذا قد يحوّل هرمز إلى أداة قوة أميركية استراتيجية، تطال بالدرجة الأولى الاقتصادات الآسيوية الكبرى كالصين واليابان وكوريا الجنوبية والهند التي تعتمد اعتمادًا حيويًا على الخام العابر من هذا الممر.
وقد قدّمت الأسواق نموذجًا مصغّرًا لما يمكن أن يحدث في حالة توسع الحرب. فمع تعطّل المرور في هرمز خلال الأسابيع الأخيرة، صعد خام برنت بنحو 60% خلال مارس/آذار، ودار حول 110 دولارات للبرميل في أحدث التداولات، بينما تجاوز الخام الأميركي 112 دولارًا، ووصل في بعض الجلسات إلى أكثر من 116 دولارًا.
وتعكس هذه الارقام توجهات الأسواق العالمية التي لا تنتظر الإغلاق التام كي ترتفع، بل يكفيها أن تعتقد أن المضيق دخل منطقة الفوضى المفتوحة.
لكن على المدى الأطول، تبرز فرضية معاكسة: فإذا اقتنعت السوق العالمية بأن التهديد الإيراني بالإغلاق أو الابتزاز قد تراجع بنيويًا، فقد تنخفض “علاوة هرمز” تدريجيًا وتعود الأسعار إلى مستويات أكثر استقرارًا. أي أن الاستقرار في الأسعار لن ينتج من مجرد تغيير العلم فوق الجزر، بل من اقتناع السوق بأن التدفق بات آمنًا ومستدامًا سياسيًا وعسكريًا.
وفيما تبقى السيناريوهات مفتوحة، إلا أن ولادة معادلة جديدة بالكامل تبدو الأكثر واقعية الآن، لا سيّما مع التأكيد الأميركي على أن الحرب لن تتوقف دون ضمانات حقيقية بعدم مساس النظام الإيراني مستقبلًا بدول الجوار وبحرية الملاحة الدولية.
