المحلية

خطيب المسجد النبوي: الاستقامة على طاعة الله تجلب البركة

خطب وأم المصلين في المسجد النبوي فضيلة الشيخ الدكتور حسين بن عبدالعزيز آل الشيخ إمام وخطيب المسجد النبوي الشريف.
وبعد أن حمد الله عز وجل بدأ خطبته بقوله: معاشر المسلمين: في ظل مشاغل هذا العصر، وضغوط الحياة، وتجدد مطالبها، يشتكي كثير من نزع البركة، التي هي من المطالب الضرورية في متع الحياة الدنيا، لتنمو وتزداد وتظهر ثمارها الخيرة، ولذا فما نزعت البركة من شيء إلا فاتت ثماره الطيبة، ومنافعه اليانعة؛ بل ما نزعت من أمر إلا وحلّ به العناء والشقاء، قال صلى الله عليه وسلم: (ليس السَّنَةُ بأنْ لا تُمطَروا ، ولكِنَّ السَّنَةَ بأنْ تُمطَروا وتُمطروا ؛ ولا تُنْبِتُ الأرضُ شيئًا)، رواه مسلم؛ والسَّنَةُ هي الجدب والقحط.

وأكمل: ولهذا فالموفق يبحث عن أسباب حلول البركة ووقوعها، ويسعى لتحقيقها في أمور حياته كلها، لتنمو منافعها، وتزداد خيراتها، وتتحقق الحياة الطيبة بها؛ فالبركة فيما أعطي الإنسان، تزول بها أخطار القلاقل النفسية، والمخاوف المتوقعة، مما تحصل به طمأنينة النفس وراحتها ورضى القلوب وسعادتها.

وأوضح فضيلته: ألا وإن أعظم أسباب استجلاب البركات، وحصول الخيرات والمسرات، هو الاستقامة على طاعة الله تبارك وتعالى، ولزوم شرعه، والوقوف عند حدوده، قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ).

وأكمل: كما أن أعظم أسباب نزع البركة، فشو المحرمات والتمادي في المعاصي والسيئات، قال تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ).

وبيّن فضيلته: إن من آثار نزع البركات ما يعانيه العالم اليوم من مشاكل اقتصادية كبرى، وتحديات مالية عظمى، مع توافر المقدرات الهائلة، والأموال الطائلة، ومع هذا يعاني العالم من التضخمات الخطيرة، والغلاء الفاحش، وتراكم الديون الطائلة، وكل ذلك بسبب بعد كثير من الخلق عن المنهج الرباني، الذي رضيه خالقه لهم، وجعله السبيل لسعادتهم في معاشهم و في معادهم؛ ومن ذلك انتشار المعاملات الربوية، التي يبنى عليها اقتصاد العالم اليوم، مما أحلّ بهم النكبات الاقتصادية، والمشاكل الاجتماعية المتعددة، قال تعالى: (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ).

وأوضح: لقد كثر وتنوع في عالم اليوم الغش التجاري بصور لا نهاية لأنواعها، ولا حد لأشكالها، مما كان سبب في حلول المخاطر المالية المختلفة، ومما عاد ذلك على التعاملات المالية بالكساد والخراب، قال صلى الله عليه وسلم: (الْبَيِّعانِ بالخِيارِ ما لَمْ يَتَفَرَّقا، فإنْ صَدَقا وبَيَّنا بُورِكَ لهما في بَيْعِهِما، وإنْ كَذَبا وكَتَما مُحِقَ بَرَكَةُ بَيْعِهِما).

وأضاف فصيلته: من أسباب نزع البركة في الأموال، انتشار الأيمان الكاذبة لترويج السلع، ويلحق بذلك كل ماكان في هذا المعنى، من الإعلانات التجارية التي تحمل تزوير الصفات، والخداع بالناس كما هو منتشر اليوم في وسائل التواصل، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الحَلِفُ مُنَفِّقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مُمْحِقَةٌ لِلْبَرَكَةِ).

وبيّن: من أسباب نزع البركات الخاصة والعامة، التسلط على الأموال العامة، بالنهب، والسلب، والتلاعب والخيانة، آثارها مدمرة على الآخذ وعلى المجتمع ككل، وهذا قال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ هذا المَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فمَن أَخَذَهُ بسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ له فِيهِ، ومَن أَخَذَهُ بإشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ له فِيهِ، كَالَّذِي يَأْكُلُ ولَا يَشْبَعُ).
وإذا كان هذا حال من يأخذ المال العام بلهف وتطلع وطمع وشره، فكيف بمن يأخذه على وجهٍ محرم.

وأكمل فضيلته: من أسباب نزع البركة، ووقوع الكوارث الاقتصادية في المجتمع، التلاعب بأموال الخلق من عدم الوفاء بثمن مبيع، أو رد قرض، أو أجرة ونحو ذلك، قال صلى الله عليه وسلم: (مَن أخَذَ أمْوالَ النَّاسِ يُرِيدُ أداءَها أدَّى اللَّهُ عنْه، ومَن أخَذَ يُرِيدُ إتْلافَها أتْلَفَهُ اللَّهُ)؛ فاتقوا الله عباد الله، والتزموا بالمنهج الإلهي، والهدي النبوي، في جميع تعاملاتكم وشؤون حياتكم، تنزل بكم البركات، وتعم الخيرات، ويفتح لكم من ثمار الدنيا اليانعات النافعات.

واختتم فضيلته الخطبة بقوله: إن أرادت الأمة وقوع البركات المتناهية، والخيرات المتكاثرة، فعلينا جميعاً التوبة الصادقة، والأوبة الجادة، وإصلاح ما فسد بمنهج الإسلام، وأوامر القرآن، وسنة ولد عدنان، عليه أفضل الصلاة والسلام، قال تعالى: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى