«هيئة التراث».. مظلة رسمية لحماية الثقافة ومواجهة ذوبان الهوية

  • 24 أغسطس 2020 - 12:06 م
  • لا توجد تعليقات
  • 1366 مشاهدة

للتراث أهمية تاريخية، وقيمة ثقافية، ومكانة حضارية، تجعل منه أحد أهم المقومات الإنسانية التي ميزت بين الأمم والأقطار على مر التاريخ البشري وحتى عصرنا الحديث، وقرأت ملامح الأوطان وطبيعة الأرض واهتمامات المجتمعات، وكانت شواهد زمانية ومكانية للعصور منذ بدء الخليقة وحتى يومنا هذا، وقد لبت وزارة الثقافة مطالب هذا القطاع المهم باستحداث هيئة تعنى به، وشكلت مجلس إدارتها لرسم إستراتيجية القطاع وسياساته والنهوض به، وهو ما سعد به المختصون بالتراث الذين رأوا في هذا التوجه تأكيدا لأهمية التراث، ودوره كأداة ربط بين الإنسان ووطنه وتاريخه، والمعنى الذي يشكله في نفسه وحياته.

المثلث الذهبي

يقول الباحث والأكاديمي د. عوض السبالي، إن المملكة التي تشكل مساحتها الجزء الأكبر من الجزيرة العربية تمتلك إرثا حضاريا ضخما، حيث تعاقبت الحضارات على أراضيها منذ عصر ما قبل التاريخ، وشهدت في عصور ما قبل الإسلام أدوارا حضارية متعاقبة، كانت خلالها مسرحا لعدد من الدول والحضارات العربية القديمة. موضحا أن موقعها الجغرافي مكنها من تبوؤ هذا الدور بوقوعها في مثلث ذهبي بين بلاد الشام وحوض النيل وبلاد الرافدين، ما زاد من صلاتها الحضارية بتلك البلاد.

وشدد على ضرورة إبراز هذا الإرث الحضاري وغرسه في نفوس المواطنين من خلال تشجيعهم على زيارة المواقع التاريخية، والتعرف على تاريخ بلادهم ومعالمها، والعيش في هذه المواقع والتفاعل معها في إطار أوسع مما يجدونه في كتب التاريخ، منوها بتأسيس وزارة الثقافة لهيئة خاصة بالتراث، وبتشكيل مجلس إدارة لها مكون من نخبة من العلماء أصحاب الباع الطويل في خدمة التراث الوطني، مطالبا الهيئة ومجلسها بتوثيق التراث الوطني وتحقيقه وتطويره وإبرازه.

ويرى د. السبالي أن تقدم الأمم يقاس من خلال ما خلفته من شواهد حضارية، قائلا: كما أن العلوم المختلفة تكتسب وتطور من خلال التجارب المتراكمة، ومنها ما خلفه الأجداد، حيث يمكن أن تكون أساسا للبدء من حيث انتهوا إليه، كما أن المكتشفات التي يتم الحصول عليها في المواقع الأثرية أو من خلال ما دونوه من فنون وكتابات ورسوم، تدل على مدى التقدم الحضاري الذي وصلوا إليه، ونتائج دراستها بلا شك تفيدنا كثيرا في التخطيط لحاضرنا ومستقبلنا، وقد قيل من ليس له ماض ليس له حاضر ولا مستقبل، ويجب الاستمرار في الاكتشافات والدراسات المتعلقة بالتراث وإبرازها والتعريف بها.

الثقافة المحلية

وأكد مدير عام الجمعية السعودية للمحافظة على التراث عبدالرحمن العيدان، أن للتراث دورا مهما جدا في تنمية الثقافة المحلية للمجتمعات، والتنوع الثقافي على المستوى العالمي، وقال: لهذا السبب فإن اليونسكو قامت بربط مسمى التراث بالثقافة، وأطلقت عليه التراث الثقافي ليشمل بذلك كل ما أنتجته البشرية، ويرتبط التراث الثقافي ارتباطا وثيقا بالثقافة الشعبية والهوية، وفي ظل هيمنة وتهديد العولمة وذوبان الثقافات يأتي الحفاظ على التراث الثقافي كوسيلة مثلى لتنوع الثقافات التقليدية وتنميتها، كونه الوعاء الذي يحمل ذاكرة الشعوب وهويتها الأصيلة.

ويأمل العيدان من هيئة التراث جمع تفرعات التراث الموجودة في أكثر من جهة كوزارتي الإعلام والسياحة وغيرهما، وأن تعيد النظر في التشريعات القائمة وإعادة قراءتها على ضوء احتياجاتنا المرحلية، مع الاستفادة من أفضل الممارسات العالمية، والحفاظ على مخزوننا من التراث الثقافي المادي وغير المادي بالحصر والتوثيق، وأن تكون الهيئة مظلة ممكنة للقطاع الثالث والخاص من خلال مشاريع التراث.

وأكد أن التراث الثقافي يقوم بدور حاسم في تعزيز الهوية الوطنية، المرتكزة على الهوية الثقافية الأصيلة، مضيفا: لذلك قامت بعض الدول بتعزيزه في المناهج الدراسية منذ الصفوف الأولى، لتضمن ترسيخ الاعتزاز والفخر بالهوية الوطنية، ويشعر المواطن أنه امتداد لأمة قدمت للبشرية منتجات ثقافية واجتماعية، ما زالت في الذاكرة والوجدان، وذلك لا يكون فقط بتعزيز الحنين لها، وإنما بالعمل على تنميتها وتطويرها وفق المعطيات الراهنة والاحتياجات العصرية.

وأكمل حديثه قائلا: التراث مهم جدا لإسهامه في تحقيق التنمية المستدامة بأركانها الثلاثة، الاجتماعية: حيث يشكل التراث الثقافي الذاكرة الشعبية للمجتمعات، ويرفع لديها الوعي التاريخي بالمنجزات والإبداعات التي انتجها أسلافهم، ويعزز اللحمة الاجتماعية بينهم. والاقتصادية: حيث إن التراث المادي وغير المادي يسهم في تنمية وزيادة الدخل للمجتمعات والأفراد ومنظمات المجتمع المدني والحكومات، من خلال الترويج للمواقع والحرف والفنون التي ورثت عن الأجيال السابقة، وحافظ عليها الأبناء وستبقى للأجيال القادمة رصيدا ثقافيا واقتصاديا. والبيئية: وهي الركن الثالث من أركان التنمية المستدامة، ويسهم الحفاظ على التراث الطبيعي في خلق التنوع البيئي والطبيعي.

ثلاثية المهام

وأوضح الباحث ماجد آل حسنه، أن المملكة لديها كنز هائل من مقومات الجذب الحضارية كالتراث والمتاحف والمواقع التاريخية والقرى التراثية والأسواق الشعبية، والمعالم السياحية والحضارية والأثرية التي تتمتع بها أغلب مناطقها، مشددا على أهمية استغلال هذه المقومات والعناية بها وتطويرها بصورة أكبر خلال الفترة القادمة.

وقال إن وجود مظلة رسمية مثل هيئة التراث سيمنح القطاع دعما كبيرا، لأن الهيئة ستعنى بالتراث الوطني بوصفه المكون الأساس للهوية وتعزيز المواطنة، وداعما مهما للسياحة التراثية، وله القدرة على إحداث تحولات اقتصادية نحو تنويع مصادر الدخل، وتكمن رسالتها أولا في التعريف بهذا الإرث الذي كان أساسا قويا لنهضة مستدامة، ومن ثم تطوير البنية التحتية، لإنشاء المشاريع الاستثمارية، وتحويل القطاع إلى صناعة ذات منافع اقتصادية واجتماعية، وليس منتجا ثقافيا فقط.

وأكد أن التراث مقياس مهم للحضارة، وانعكاس لتقدم الأمم، والمملكة تحتوي على كنوز من المواقع التراثية والأثرية المميزة والمهمة، والتي تدلل على تاريخ الجزيرة العربية منذ آلاف السنين، وأضاف: شهد القطاع الثقافي والتراثي نقلة هائلة خلال الفترة الماضية، ويحظى باهتمام الدولة، وعدته وزارة الثقافة واحدا من القطاعات الثقافية الستة عشر التي تركز جهودها وأنشطتها على دعمها وتطويرها، وهذا يدعونا إلى أن ننتظر من هيئة التراث الكثير، لا سيما فيما يتعلق بتنظيم وتطوير القطاع، وسن القوانين واللوائح المنظمة لعمل كافة الأنشطة والمجالات والجهات والأفراد أصحاب العلاقة بمجال التراث.

الوسوم ماجد-ال-حسنة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

code