مذكرات قلم فاخر!

  • 22 يوليو 2020 - 01:25 م
  • لا توجد تعليقات
  • 870 مشاهدة

حكايتي تبدأ من مصنع ماركة، وُضع لجذب الأغنياء فتزاحم عليه الفقراء. أعلم مقدار قيمتي بين الأقلام، أعرف أن الذهب يغطي جسدي النحيل وأدرك أن الحبر داخلي قد يساوي شاحنة من النفط المصدر.

تذكرت وأنا أشاهد بعض متقمصي دوري من الأقلام البلاستيكية وهي تنتشر في المكتبات، ومحلات الكماليات التي لا أكون متواجداً فيها أبداً، حيث مكاني الصدارة، وحالي الفخامة، وواقعي هو القيمة.

كم أجد الكثيرين حولي يترنحون في جيوبهم، وتتكدس أفكارهم حول إمكانية اقتنائي، وكم وجدت الكثير يحيطون رغبة في التفرد بي، وإمكانية الندرة، وخاصية الاقتناء الذاتي. هؤلاء البشر بعضهم يملأ جيوبه ورأسه

فارغ من الأفكار، يهتم بالشكل ولا يروق له المضمون، يحرص على اللمعان ولا يبالي بالهدف، يبحث عن السعر ولا يسأل عن القيمة، يهيم بالوسيلة ويهمل الغاية. تتم صناعتي لأجل الربح، وتُصرف بتوقيع مني أموال، قد

تصلح أمور بي، وتفسد أمور كثيرة من “خربشاتي”. غالباً أجدني عاطلاً لا مهنة لي ولا عمل، أو مقذوفاً في جيوب كثير من المنتفخين.

إقامتي في عدد من محلات الماركات المتخصصة يتناوب على دخول تلك المحلات وجوة مملوءة بالعبوس ومتخمة بالحديث عن المال، كانت لحظة شرائي لحظة باهرة فما تم تداوله من أوراق يفوق الوصف، كان يقول ذلك “أتمنى ألا يكون من هذا القلم نسخ كثيرة ويا ليته كان واحداً من نوعه لأشتريه ولو بأضعاف”.

تم شرائي والذهاب بي إلى مساحات السمعة، ومتاهات التباهي

وضعت هنا. ووضعت هناك. حتى وصلت إلى ذلك المسؤول الضخم وراء المكتب العملاق في ذلك المبنی الأسطوري. كان إحساس اللمسة الأولى لدي “نحن الأقلام الفاخرة” كإحساس نظرة رجل أولى لوجه امرأة جميلة لم

تبالِ به. هو شعور البرودة الطاغية يصيبني كغيري، لا أعرف أين الاتجاهات قد تسير بي، أو تضعني فهؤلاء الأغنياء في لحظة يقررون وفي

أقل من لحظة يتقلبون. حملني ذاك المسؤول بين أصابعه وهو يخاطب أحد موظفيه ويتحدث عن مشروعات، وخطط، وحوادث، وأحداث، ومواقف، وطلبات، وأوامر، وفي داخلي أقول إن هذا المسؤول عقب حديثه سيفرغ كل ما بداخلي من حبر في دقائق لكثرة ما يخطط ويأمر به. لم ينلني من

كل ذلك إلا التقلب بين أصابع المسؤول وكأنه لا يعرف أن يحكي إلا وأنا بينها. كانت لحظات عصيبة بالنسبة لي فلم يعتد أمثالي من الأقلام الثمينة في أماكن أخرى أن يُقلّبوا هكذا بين أيدي مسؤولين، كانوا يعملون ويفعلون

ويوقعون وينجزون. كنا نستشعر بقيمة العمل معهم وتنساب لحظات الحماس في داخلنا ونحن نسمع كلامهم وجدهم وفعلهم. ذاك المسؤول رافقته انتظر منه توقيعاً يصنع عملاً، أو ينجز مشروعاً.

عشت كواجهة للبذخ، وزاوية للمباهاة، وملامح “الأنا”.

علمت بعدها أننا نحن الأقلام الثمينة لا يمكن أن نصنع شيئاً ثميناً ما دمنا في أيدي من لا ينجزون شيئاً.

وعرفنا أننا وإن كنا فاخرين فإنه لا يعني أننا سنتمكن من كتابة شيء فاخر. وأدركت أننا صنعنا للاستعراض عند مثل هؤلاء، وأن الأقلام البلاستيكية أنجزت كل شيء عنا.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

code