عشت يا وطني

  • 23 سبتمبر 2018 - 07:16 م
  • لا توجد تعليقات
  • 1472 مشاهدة

كانت الجزيرة العربيه في القرن السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر قارة صغيرة مهمله ومنسيه لم يهتم بها العثمانيين باستثناء الإشراف على مكة والمدينه وبعض محمياتهم التي تغذي اقتصادهم في الحجاز وعسير وجازان واليمن والأحساء ، في حين أن الإنجليز والغرب عموما لم يكن لهم أي إهتمام الا بالموانئ التي تمر بها سفنهم الى مستعمراتهم في الشرق ، أما وسط الجزيره فلم يهتم بها احد ولَم يكن جواسيس الدول الغربيه المعروفين بإسم المستشرقين ينصحون دولهم بالقدوم الى تلك الصحاري والجبال في الجزيرة العربية عامه وفِي وسطها خاصه . استمر هذا الوضع حتى بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى عام (١٩١٧ م ) حيث هُزِمَ العثمانيين ( الرجل المريض ) ودُوَل الْمِحْوَر وانتصر الحلفاء الذين تقاسموا تركة الدولة العثمانيه .في تِلْك الفتره تحرك إبن سعود بشخص عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود ومعه عدد قليل من الرجال قادما من الكويت الى هضبة نجد لاستعادة ملك أجداده في الدولة السعودية الأولى والثانيه وفِي آخر العقد الأول من القرن التاسع عشرميلادي أي في العام (١٣١٩ هـ ) .. استولى الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود على بلدة الرياض وقضى على الحاكم عجلان ممثل إبن رشيد ، وبدأ فورا في تأسيس النواه لدولته في الرياض ثم انطلق في نضال طويل لتكوين الدولة السعودية الثالثه حتى تم الإعلان عنها رسميا وبإسمها الحالي في يوم الخميس ( ٢١ جمادى الأولى عام ١٣٥١ هـ الموافق ١٩٣٢م) – لقد كانت اوضاع الجزيرة العربية والدولة السعودية الوليدة في ذلك الوقت أوضاعا سيئة وظروف صعبة جدا في كل المجالات الإقتصادية والإجتماعية والأمنية والعسكريه والتعليمية والصحيه وغيرها . ففي الناحية الإقتصادية لم يكن لدى الدولة الوليدة دخل يبني لها إقتصادا تحقق من خلاله متطلبات مصاريفها كدولة وحكومة وشعب ، ولم يكن هناك صناديق اقتصادية دوليه أو إقليمية تقرضها وإن وجدت مصادر محدودة للإقراض فمن أين سوف تسدد هذه الدولة الناشئة الديون ولعل الدخل الوحيد هو ما تحصل عليه الحكومه من جباية الزكاه التي لاتذكر لقلّتها من الحبوب والمواشي أو تبرعات بعض التجار في ذلك الوقت ، وفِي المجال الإجتماعي كان المجتمع ينقسم إلى ثلاثة أجزاء .

الجزء الأول – قبائل وأسر هاجرت وتغربت من ديارها الى خارج الحدود لأسباب امنيه وظروف معيشيه ، وقد فرحت هذه الشرائح المهاجرة بحكم بن سُعُودْ لأنه بعد الله سيُؤْمِنُ لها شروط عودتها الى ديارها داخل الجزيره العربيه ويؤمن حمايتها وأمنها وهويتها واستقرارها خاصة وأنها لَم تقطع صلاتها بجذورها ومرابيها داخل الجزيره ، ولَم يمنعهم الملك عبدالعزيز رحمه الله من العوده ، فعادت بعض القبائل من الشمال ومن غرب البحرالأحمر وعادت كثير من الأسر من العراق والشام وَتَبَؤَا أبناؤها ومازالوا مناصب هامه في الدوله السعودية الحاليّه .

الجزء الثاني من المجتمع في بداية تكوين الملك عبدالعزيز لدولته الحاليّه – كانوا من البَدْوٍ الرحل يتنقلون من مناطق رِعْيٍ الى أُخْرَ ى بحسب سقوط الأمطار وفِي الغالب فإن هذه التجمعات البدويه لاتستطيع أن ترحل خارج مناطقها الرعوية القبليه بشكل جماعي لأن كل تجمع يمثل قبيله واذا رحلت الى منطقة قبيلة اخرى قامت الحرب بينها . اماقَوَام حَيَاة اهل الباديه فهي الماشيه كالإبل والأغنام يأكلون من لحومها ويشربون من ألبانها التي يصنع منها الإقْطْ( ألْمَضَيْرْ أو البَقَلْ ) وينتجون من هذه الألبان الزبد والسمن ، وَتَغْزِلُ النِساءُ أصواف الأغنا م ليصنع منها بيوت الشعر التي يسكنونها والفُرُشْ لهم ولهذه البيوت وغيرها ، وتدبغ الجلود لتصنع منها الْقِرَبْ للمياه وحوافظ أو قِرَبْ حفظ السمن و القهوة وصيغة النساء والمَلاحِفُ أي الأغطيه للفرش التي ينامون عليها وحوامل الأطفال (مزابي) وغيرها .

الجزء الثالث ، من فروع المجتمع السعودي عند تأسيس الملك عبد العزيز لدولته – فهو المجتمع القروي وبعض البلدات التي لم تصل الى مستوى المدن وتنادى باسمها المجرد ( بدون مسمى مدينه ) وهي كثيرة ومن الأمثلة على ذلك ، في إقليم الحجاز (مكه ، جده ، الطائف ، وفِي الشمال المدينه وحائل وتبوك وفِي الجنوب أبها وخميس مشيط وبيشه ونجران وجازان ، وفي نجدالقصيم والخرج والدواسر وغيرها وفي الشرقيه الدمام والخبر والأحساء ، ولكن القرى هي الأكثر عددا وسكانا ويعتمد أهلها على زراعة المحاصيل التي تسقى بمياه الأمطار والآبار السطحيه و غالبا ما تدمر السيول الجارفة تلك المزارع والآبار و مناطق بيشه والقصيم والمدينة والدواسر والأحساء كانت تزرع التمر الذي يعتبر غذاء رئيسي للسكان . يقوم القرويون بتربية الأبقار والثيران والضأن والماعز والبغال للإستفادة منها في فلاحة الأرض أو في الغذاء أو التنقل .

هذه لمحة فقط عن المجتمع قبل وفي بداية تكوين الدولة السعودية الحاليّه التي أسسها الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه . اما في المجال العسكري والأمني فكان قبل مجئ الملك عبدالعزيز رحمه الله معدوما فالحجاج تقطع طرقهم من أفراد وقبائل وعصابات يسمون حنشل وهم سرَّاق وقطاع طرق ، وأما القبائل فكانت تخاف من بعضها و متناحرة … وأمجادها التي تتفاخر بها محصورة في الغزووالقتل والسلب والنهب والتهجير وثارات قديمة ومتجددة باستمرار ولا تنتهي ولكن عندما جاء الملك عبد العزيز بدأ بحكمته في تحسين الأوضاع رغم أن جيشه من الهجانه قليل و ومحدود القدرات والعدد ورجال أمنه وشرطته محدودين ، ولكن هذا الزعيم العملاق الداهيه لم يضيع الوقت فعزم على بناء جيش وشرطه ، وعندها إستعان بقيادات عسكرية وأمنيه لديها خبرات من عملها في الماضي مع جيوش اخرى في الحرب العالمية الأولى مثل سعيد كردي و سعيد جوده وطارق الإفريقي … وغيرهم ، ثم بدأ في ترتيب أوضاع جيشه وشرطة أمن دولته الناشئه لتصل عبر السنين الى ما وصلت اليه اليوم بجهود أبنائه وشعبه من بعده . بفضل دعم ابناء الملك عبدالعزيز الملوك وبفضل أولياء العهد المرحومين الأمير سلطان بن عبدالعزيز الأب الروحي لوزرارة الدفاع الذي طورها على مدى أربعون عاما والأمير نايف بن عبدالعزيز الذي طور وزارة الداخلية واجهزتها على مدى يقارب الثلاثين عاما .
وفِي مجال التعليم لم يكن هناك مدارس على الإطلاق وإنما كان ( المطاوعه ) (والأئمة ) الذين يجيدون قراءة القرآن يدرسون من يرغب قراءة القرآن ( الختمه أو المصحف ) في ما عرف بفصول الكتاتيب بالمساجد ، علما بأن الدولة العثمانيه أهملت التعليم في الجزيرة العربيه ولَم تُعِره أي اهتمام على الإطلاع ونفذت سياسة التتريك في اللغه ولكنها لم تنجح وساد الجهل والأميه بين سكان الجزيرة العربيه …
حتى جاء إبن سعود فأحيا النهضة التعليمية لتصل الى ما وصلت اليه في هذا العام (١٤٤٠هـ ).
أما في مجال الصحه فلم يكن عند بداية انشاء الملك عبدالعزيز للدولة السعودية الثالثه شئ اسمه الصحه ، كانت الناس تتعالج بالكي وما ينصح به الحكماء والمعالجين من الأعشاب الذين يصنف بعضهم ضمن الكهنة الكذابين والأفَّاقِين والمشعوذين الذين يعالجون بالسحر والأحراز والطلاسم وهذا كفر وشرك مبين والنَّاس فيه جاهلين ، ولقد كان من اهم إنجازات الملك عبدالعزيز محاربة الجهل والبدع والشرك وإلضلال في الدين .

– ختاما فإن معنى بدايه في اللغه العربية وغيرها من اللغات الأخرى يعني الإنطلاق من نقطة الصفر واللاشئ ، وهكذا كان وضع الملك عبدالعزيز رحمه الله منطلقاً وبادئاً من الصفر في كل شئ وقاد دولته الناشئة وشعبه المبعثر والمتناحر من اللاشيئ الى كل شيئ .
واليوم والمملكة العربية السعوديه تحتفل بيومها الوطني ال (٨٨) ، نرى أن الإصلاح مستمر والظروف الاجتماعية والاقتصادية والمعيشية والصحية والتعليمية والامنيه والعسكرية وغيرها قد تغيرت بفضل الله ثم بفضل جهود أبناء الملك عبدالعزيز الذين حكموا هذه البلاد من بعده . لقد حملوا الأمانه وأدَّوْا الرساله في خدمة الدين العظيم والوطن الكريم والمواطنين الأوفياء وكافة المسلمين وحموا بلدان الخليج العربي من كل مُعْتَدٍ أثيم . إن هذه الدولة السعوديه بناها الملك عبدالعزيز رحمه الله على كتاب الله العظيم وسنة نبيه الكريم وذلك هو سبب عزها وصمودها وبقائها بإرادة الله وإنشاء الله الى يوم الدين ، لأن الملك عبدالعزيز رحمه الله كان قد بناها على الأساس المتين … وخادم البيتين الملك سلمان بن عبد العزيز وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان يسيران بالمملكة وشعبها الى الطريق الآمن والسليم .

اللواء الركن متقاعد / حسين محمد معلوي
محلل استراتيجي وخبير عسكري / قائد حرب درع الجنوب عام ٢٠٠٩ م .
اليوم الوطني ، يوم الأحد ( ١٣ محرم ١٤٤٠ هـ – ٢٣ سبتمبر ٢٠١٨ م ) .

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *