المراكز البحثية ودورها في تحسين صورة الإسلام

  • 06 أبريل 2019 - 06:16 م
  • لا توجد تعليقات
  • 1478 مشاهدة

مقدمة :

زاد الاهتمام في الآونة الأخيرة بالمراكز البحثية والمعاهد الفكرية، وقد انعكس هذا الاهتمام في صور شتى منها عددها المتزايد، وكثر الحديث عن عمقها التاريخي، ومراحل تطورها، واستشراف أدوارها الحالية والمستقبلية.فالكثير من الحكومات، تعمد إلى مراكز البحوث، للاستفادة من خدماتها ودراساتها.. فالولايات المتحدة الأمريكية، على سبيل المثال، ومع بروز ظاهرة الصحوة الإسلامية في العالم العربي والإسلامي بدأت مراكز البحوث والدراسات فيها بالاهتمام بهذا الحقل، وجمعت الكفاءات والقدرات الفكرية والسياسية للاستفادة منهم في هذا المجال، للوصول إلى تصور واضح واستراتيجي عن هذه الظاهرة.

وغالبا ما نجد مع نمو أي ظاهرة اجتماعية أو سياسية أو ثقافية أو اقتصادية، ينبري لها أهل الخبرة والاختصاص في الإطار المؤسسي الذي يجمعهم لدراسة تلك الظاهرة، وتقديم نتائج أبحاثهم وخلاصة آرائهم إلى الحكومة أو الأجهزة التنفيذية في الدول الغربية.

وانطلاقا من هذه الأهمية للمراكز البحثية والمعاهد الفكرية واستشعارا بدورها المؤثر في البنية السياسية والثقافية والاجتماعية، تأتي أهمية استكشاف وضعياتها الحالية، وأبعاد الدور الفعلي الذي يمكن أن تؤديه في العالم الإسلامي، وبالخصوص فيما يتعلق بتحسين صورة الإسلام لدى الآخر.

و مما لا شك فيه أن صورة الإسلام و المسلمين قد شوهت بشكل كبير في وسائل الإعلام الغربية، فقد دأبت وسائل الإعلام الغربية على وصف المسلمين بالتخلف والجهل والتعصب ، وكونهم لهم صلة وثيقة بالإرهاب والعنف والإجرام، وكأن الدين الإسلامي هو دين يحث على الإرهاب و على العنف ويشجع على عدم الأمان والاستقرار .

وعلى الرغم من وجود اتجاه عام سابق للعداء ضد الإسلام ، إلا أنه منذ بداية التسعينات من القرن الماضي أصبح الخطاب الإعلامي العالمي يتجه بشكل واضح وظاهر لكافة شعوب العالم وبصفة خاصة الشعوب الغربية بمحاولة الإساءة للدين الإسلامي والمسلمين ووضعهم في إطار ذي جانب عدائي للحضارة الغربية بصفتها الحضارة المتميزة والقوية في هذا العصر . ويمكن لنا تحديد بداية ظهور ذلك الاتجاه ، منذ عام 1993 ، عندما قام المفكر الأمريكي صمويل هنتنجتون بالتنظير لحرب قادمة سوف تواجهها الحضارة الغربية بعد أن انتهت من التو من حربها ضد الاشتراكية العالمية بانهيار الاشتراكية في عام 1989 .

ومن هنا فإن الوضع الراهن يفرض على المراكز البحثية أن تبذل جهودا جبارة لتوضيح الصورة الحقيقية للإسلام والمسلمين في كل مكـان في العــالم وبكل الوسائل المـــتاحة، لتصحـــيح الأفكار الخاطـئة والمفاهيم المغلوطة والأحكام المسبـقة في أذهان الآخرين .

وسنتناول موضوع بحثنا من خلال فصلين :سنتطرق إلى موضوع التعصب والعداء ضد الإسلام : أسبابه وجذوره (الفصل الأول ) ثم سنتطرف إلى المراكز البحثية ودورها في تحسين صورة الإسلام (الفصل الثاني).

الفصل الأول : التعصب والعداء ضد الإسلام : أسبابه وجذوره

لاشك أن إيديولوجية التعصب والعداء ضد الإسلام ذات جذور تاريخية تستمد نسقها من حقبة الحروب الصليبية ، فالغرب المسيحي يستمد صورته الذهنية عن الإسلام والمسلمين من خلال المواجهة الفعلية بين الإسلام والنصرانية خلال القرون الوسطى وإلى نهاية الحروب الصليبية .

وتعتبر الملاحم الشعبية أكبر المكونات لثقافة الصور النمطية التي تم نسجها خلال القرون الوسطى، فملحمة رولاند La chanson de Roland الشعبية التي ظهرت في حدود عام 1000م تصور المسلمين وثنيين يعبدون ثالوثا مكونا من Apolin و Tervagent ومحمد (صلى الله عليه وسلم) Mahomet ، والإسلام دين جنس وملذات (إشارة إلى تعدد الزوجات في الإسلام) ، وقد عاودت الأساطير والخيالات المتضمنة فيها الظهور مرة أخرى عام 1130 مع نشيد الضعفاء Chanson des chétifs وفي نشيد أنطاكية Chanson d’Antioche عام 1180 ، وهكذا تحولت وقائع الحركة الصليبية إلى أساطير وقصص وأشعار ومسرحيات تاريخية تضمنت أبشع النعوت والأوصاف في حق الإسلام والمسلمين ترسخت في الأذهان جيلا بعد جيل وأصبحت صورا نمطية مفعمة بالكراهية للشرق والمسلمين ، وقد تواصلت قرونا عدة عابرة الزمن والتاريخ لتتكرر و تترسخ أكثر .

وخلال القرون الوسطى كان لخطاب فلاسفة الكاثوليكية دور بارز في تكوين جهاز من الصور النمطية عن الإسلام ونبيه حيث أسهم اللاهوت والفلسفة الدينية في تشكيل صور ذهنية موغلة في الازدراء والكراهية للإسلام .
وفي هذا الصدد يرى المفكر نورمان دانييل أن الوعي الأوروبي مشحون بالذاكرة التاريخية المرتبطة بمواجهة الغرب الكنسي للإسلام خلال القرون الوسطى وقد كانت النظرة إلى الإسلام وقتئذ شعبية مفعمة بالحقد ومشبعة بالخيالات الغريبة والتصورات الموغلة في التهويل والتشويه والتمييع . ولذلك لم يتردد دانييل الذي جمع في كتابه كل الأوصاف والتصورات السلبية التي نسجت خلال القرون الوسطى من أن يمهد لكتابه وفي الصفحة الأولى بقوله : ” ناقل الكفر ليس بكافر” nullafalsadoctrina est quaealiquidvaritatis non immisceat ومن أبرز الصفات والنعوت التي أطلقت على المسلمين «Ismaélien » « Sarrasins » « Agarénes » « Barbares » إسماعليون ، هاجريون ، سراقون وهم أيضا “أمة اللؤم والخداع” شعب هدام ومدمر” أناس قبيحو المنظر” ….إلخ .

و تجدر الإشارة أيضا إلى أن ساسة الغرب وقادة الرأي فيه كانوا ينظرون دائما إلى الإسلام باعتباره يمثل تهديدا لهم، فاللاهوتيون في العصور الوسطى كانوا قلقين مما أسموه ب”تأثير القيم الإسلامية على القيم المسيحية تأثيرا تدميريا” ولذلك رأى هؤلاء فيما بعد أن حماية المسيحية من الإسلام لا تكون إلا بضربه عسكريا والاستيلاء على أرضه وٌإقناع معتنقيه باتخاذ المسيحية ديناً.

وكان هدف الحملات العسكرية الصليبية في المرحلة التالية مواجهة ما أسموه “التهديد الإسلامي ” قبل أن يغزو ديار الغرب. ولذلك عمل الصليبيون على تسميم العقل الغربي ضد العالم الإسلامي عن طريق تفسير التعاليم والمثل العليا الإسلامية تفسيرا خاطئا ومتعمدا.

ولم يختلف موقف الغربيين في حقبة الاستعمار من الإسلام عن موقفهم منه في الحقبتين اللتين سبقتهما، لقد كانت حركة الاستشراق – في مجملها – أداة من أدوات مواجهة التهديد الإسلامي المزعوم. فقد كان المطلوب من هذه الحركة أن تستكشف معالم العقلية الإسلامية وفهمها فهما جيداً لتسهيل الإدارة الاستعمارية للشعوب الإسلامية.

وتتسق نظرة الغربيين المعاصرين للإسلام مع تلك المنظومة من الرؤى المعادية التي ورثها العقل الغربي من التراكمات التاريخية التي حفل بها تاريخه الكنسي الصليبي والاستشراقي الاستعماري. فالإسلام يمثل تهديداً للغرب كما هو واضح من نظرية (زبجنيوبرجنسكي) عن “هلال الأزمات ” مروراً بنظرية (برنارد لويس) عن ” عودة الإسلام” وانتهاء بنظرية (صامويل هانتجنتون) عن “صدام الحضارات”. فنهضة الإسلام – بالنسبة إلى هؤلاء جميعا – تعني : نهاية الحضارة الغربية لا باعتبار الإسلام مجرد منافس إيديولوجي فحسب، بل لأنه أيضا بمثابة تحد حضاري بالغ الخطر ولأنه البديل الإنساني للحضارة الغربية التي لا تقيم وزناً للقيم الإنسانية الرفيعة التي يعلي من شأنها الإسلام فتحقق له السعادة ويشعر في ظلالها بالأمان والاطمئنان.

وهكذا يتبين جليا بأن صورة العرب والمسلمين في المجتمعات الغربية قد تأثرت بحكم العلاقة الجدلية بين المسلمين والغرب المسيحي على مر القرون الماضية ولكون الرؤية إلى الإسلام على أنه قوة تهدد بقاء الحضارة الغربية.

كما تأثرت صورة العرب والمسلمين ت بشكل سلبي نتيجة الصراع العربي الإسرائيلي، وتم تشويه هذه الصورة عبر العقود الماضية، وخاصة من خلال بعض الطروحات العنصرية التي ركزت على صراع الحضارات ونهاية التاريخ وغيرها من الطروحات. إلا أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر كانت هي المحرض الأقوى في التأثير على صورة العرب والمسلمين.

فلقد كان الحادي عشر من سبتمبر2001 وما تلاه من أحداث صدمة هائلة آفاق خلالها العالم العربي والإسلامي على حقيقة النظرة شديدة القتامة التي ينظر بها المجتمع الغربي إلى المجتمعات العربية والإسلامية، تلك الصورة التي جسدتها وسائل الإعلام الغربية التي وضعت العالم العربي والإسلامي ومعه الحضارة الإسلامية والفكر الإسلامي والمناهج الدراسية في المجتمعات الإسلامية في موضع المتهم الأول والرئيسي المسؤول عن تفشي الظاهرة الإرهابية في العالم مرجعة ذلك إلى ما يعيشه العالم الإسلامي من تخلف فكري ومادي وثقافي واجتماعي يعود في جزء كبير منه إلى تفسيرات مغرقة في الظلامية وفي الانفصال عن الواقع للعقيدة الإسلامية ورغبة عارمة في رفض الآخر ومنتجاته الثقافية والحضارية والانعزال عن الواقع العالمي والإنساني المعاصر .

وبناء على هذه الهجمة الشرسة على الإسلام والمسلمين ، أصبح الهم الأساسي للمجتمعات الإسلامية في علاقتها مع الغرب هو الدفاع عن الصورة الحقيقية للعرب والإسلام ضد الصورة المشوهة التي تبث عنه ، ولعل أبلغ ما يعبر عن قوة هذه الحملة وشدة تأثر العرب بها أن الجامعة العربية لأول مرة في تاريخها تبادر بدعوة كبار المفكرين والمثقفين العرب للتباحث في كيفية الرد على الحملة الغربية المغرضة ضد العرب والمسلمين، واهتمت بالأمر أيضا قمة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية فخصصت 12 مليون دولار لإنشاء مؤسسة تعنى بإبراز الصورة الحقيقية للإسلام في الغرب .

و تجدر الإشارة في هذا الصدد أن الصورة التي يصنعها الإعلام الغربي عن المجتمعات الإسلامية تلعب دوراً كبيراً في تبرير سياساته العدائية ضده ، كما أن هذه الصورة تبرر لدى الغرب محاولات الغزو الثقافي و الاختراق الفكري للمجتمعات الإسلامية.

هذا مع العلم ، أن العداء للإسلام بدأ في شخص الرسول صلى الله عليه وسلم منذ القرون الوسطى من خلال مواقف تتسم بتشويه شخصيته واتهامه بأقذع الأوصاف والنعوت ومختلف أنواع الشتم والتجريح البذيء، وقد أثمرت تراكمات تلك الأوصاف والنعوت مخزونا من ثقافة الكراهية والحقد ضد نبي الإسلام ورسالته وشاعت مكونات ومجزوءات ذلك المخزون وترسبت وتكلست في كثير من ميادين الثقافة والفكر والإعلام لدى الغربيين في الفترة المعاصرة ، ولعل آخر ما تم توجيهه من إساءة لشخصية الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم تلك الرسوم الكاريكاتورية المهينة التي عبرت عن مدى الحقد الدفين الذي لا تزال تكنه كثير من الدوائر الإعلامية والثقافية الغربية للإسلام ونبيه عليه السلام .

و من هنا تبدو أهمية إبراز الصورة الصحيحة لشخصية الرسول صلى الله عليه وسلم في مختلف جوانبها لكل من يجهلها ، إذ ينبغي الاعتراف بأن كثيرا من الأفكار والقيم والمثل الإسلامية بقيت مهجورة لا يعرفها الآخر وهي أفكار تتعلق بوسطية الإسلام واعتداله وسماحته وتعايشه مع الآخر. كما أن معطيات السيرة النبوية العطرة ورفيع خصال وأخلاق الرسول العظيم وكريم شمائله لا تزال مجهولة في جملتها من طرف غير المسلمين، وربما لو عرفت واشتهر أمرها لكان لذلك أكبر الأثر في تحسين الصورة واستيعاب حقائق الإسلام الناصعة وتعاليمه السامية.

ومهما كان الحديث السلبي للغربيين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ناتجا عن جهل أو عن قصد فهناك حاجة ملحة لتوفير مصادر معلومات صحيحة بمختلف اللغات تكون متاحة ومتوفرة للصحفي والكاتب والمؤرخ الغربي ممن يقدمون الإسلام لمواطنيهم وهم يعتقدون بأنهم يفهمون الإسلام وحضارته.

ولاشك أن السيرة النبوية للرسول عليه الصلاة والسلام تنبع منها رؤية الإسلام في تحمل النخبة المثقفة مسؤولية العمل على توظيف جميع السبل الممكنة والإمكانات المتاحة من أجل إبراز الصورة المشرقة لشخصية الرسول صلى الله عليه وسلم وتعميق الوعي بحقائق ومعطيات السيرة العطرة . وهو ما يعتبر واجبا دينيا وضرورة ثقافية فضلا عن كونه مطلبا تمليه مسؤولية تبليغ الحقائق الإسلامية إلى من يجهلها أو يعاند في معرفتها والاقتناع بها.

لكن للأسف ؛ فردود فعل بعض المسلمين ، داخل العالم الإسلامي أو في الغرب ، تجاه ما ينشر عن الإسلام وما يتعرض له الرسول عليه الصلاة والسلام من إساءة وهجوم في غالبها اندفاعات عاطفية وجدانية تعكس صورة سلبية عن الإسلام ومبادئه السمحة، وما يحدث من صراعات داخلية بين مختلف الطوائف و الشيع له أثره في التشويه وفي ترسخ تلكم الصورة، أضف إلى هذا التقصير الواقع في مجال التعريف بالإسلام شريعة وحضارة، وعدم تمثل مبادئ الإسلام وأخلاقيات الرسول عليه الصلاة والسلام.
فإنه يجب علينا ، كباحثين و أصحاب مراكز بحوث ، توضيح المعنى الحقيقي للدين الإسلامي لتعريف الغرب به وأن يتم توجيه الرسالة للشعوب والمجتمعات الغربية أولا وقبل كل شيء، سواء تم هذا من منطلق رد الفعل أم منطلق بيان وتوضيح الدين الإسلامي للعالم، كما أوضح الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم : { ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ } . فالمهم هو توصيل الرسالة والمضمون، فالأولى بالنسبة لنا هو كيف سنقوم بتوضيح حقيقة ديننا الحنيف للغرب الذي يجهله أو يعرف عنه وفقا لما تقوم به الآلة الغربية الإعلامية من نشره وبثه، وكيف نستطيع أن نجعل الشعوب الغربية أن تستوعب تصوراتنا عن الحياة والناس والأخر، حتى يمكن العيش في سلام وأمان واستقرار وحتى يكون هناك تواصل من أجل رفعة الإنسانية جمعاء .

وهذا ما ذهب إليه د/أحمد الطيب ، شيخ الأزهر ، حين أكد أن التراث الإسلامي وحضارته يتعرضان للتشويه، من خلال ما ينشر في الغرب، مشيرا إلى أن المسلمين إلى الآن لم يخططوا تخطيطا جيدا لمواجهة ما يثار من شبهات حول الدين الإسلامي .

كما يجب أن تعرف الشعوب والمجتمعات الغربية أن الإسلام ينبذ العنف والإرهاب، والمعرفة أيضا بأصول الإسلام الراقية التي تنظم حياة المسلمين لإعمار الأرض ونشر الخير، وبما يشتمل عليه من مضامين ايجابية مثل التسامح وإعلاء للمرادفات الأساسية للحوار مع الآخر، ومعرفة ثوابت الدين الإسلامي الحقة، وان هناك بالأساس قواسم مشتركة بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية، هذه القواسم نابعة من وحدة الجنس البشرى، ويؤدى إلى تقريب الأفكار ووجهات النظر بين الأنا والأخر على المستوى الثقافي، وبما يؤدى إلى تنقيح لغة الحوار من المفاهيم المغلوطة والمزاعم الخاطئة وبما يؤدى إلى حفاظ كل حضارة بخصوصيتها بعيدا عن التنميط الذي ينافى طبيعة الحياة، ويتعارض مع الفطرة التي خلق الله علـــيها هذه الأرض وما عليها، فقد خــلق الله الناس مختلفين، وهذا ما أكده القران الكـــريـم : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا } .

إن الواقع المعاصر يشهد ما أسماه الباحث البريطاني فريد هاليداي ظاهرة ” معاداة الإسلامية “، إذ يرى أن هذا الاتجاه المعادي للإسلام والمسلمين أخذ يتسع في العالم – وليس في الغرب وحده – مع أواخر الثمانينيات كنتيجة لعدد من العوامل منها : انتهاء الحرب الباردة، وذيوع فكرة حلول الإسلام عدوا للغرب عوضا عن الشيوعية، وصعود التيار اليميني المتطرف في أوربا وأمريكا .

و مما لا شك فيه أن صناعة الصورة السيئة عن الإسلام والمسلمين والترويج لها عبر وسائل الإعلام تعد سلاحا من الأسلحة الفعالة التي يستخدمها ساسة الغرب وقادة الرأي فيه لتكريس ظاهرة “معاداة الإسلامية ” ليحققوا من خلال ذلك أهدافهم العسكرية والسياسية والاقتصادية ويحكموا سيطرتهم وهيمنتهم على العالم تحت دعاوى الانفتاح والعولمة.

وعلى هذا الأساس أصبح من الضروري أن تلعب المؤسسات و المراكز العلمية و البحثية في العالم الإسلامي دورا في إبراز عظمة الحضارة الإسلامية وما تتبناه من مثل عليا وقيم أخلاقية وقواعد تشريعية ومبادئ فقهية مع التركيز على ما تمثله الحضارة الإسلامية من تسامح وقبول للآخر وهذا يسير الطرفان كل في اتجاه لا يمكن أن يلتقي فيه بالآخر.

الفصل الثاني : المراكز البحثية ودورها في تصحيح المفاهيم الخاطئة للغرب عن الإسلام

لماّ كان الدفاع عن الإسلام بالوسائل المتاحة واجباً وفريضة على كل مسلم ،كان على المراكز البحثية و الثقافية والفكرية المتعلقة بالعالم الإسلامي العمل على تحسين صورة الإسلام وتوضيح دورها عملها وأهميته على الساحة العالمية, ومد الجسور مع الآخر وتحسين العلاقات مع صناع القرار في أنحاء العالم كافة، و تعزيز قيم الحوار الحضاري و التصدي لكل الحملات المعادية للإسلام .

فالخطوة الأولى التي ينبغي أن نخطوها في سبيل مواجهة الحملة المعادية للإسلام هي أن نمارس نقداً ذاتياً صادقاً لواقعنا الحالي وأن ندرك بأنفسنا أن الصورة السلبية التي يروجها الغرب عن واقع المجتمعات الإسلامية تحتوي على قدر كبير من الحقيقة وعلينا هنا أن نتحلى بالقدرة على النقد الذاتي بنفس القدر الذي ننتقد به الآخر.

ومن هنا فإن أي عمل ناجح وجدي في سبيل إصلاح صورة العرب والمسلمين ورد الحملات المعادية لهم في الإعلام الغربي لابد أن يبدأ بالاعتراف بالواقع وبالإقرار به وأنه إذا أردنا أن نوقف عملية الغش والتلاعب التي تقوم بها أجهزة الإعلام الغربية من خلال استغلال سلبيات الواقع العربي والإسلامي الراهن لتبرير الهجمة العنصرية والسياسات العدائية ضد المجتمعات العربية والإسلامية، فينبغي علينا أولاً أن نبدأ بتغيير هذا الواقع بما يتفق وقيم الحضارة الإسلامية وثوابتها أولاً وبما يتناسب مع القيم والمبادئ التي أصبحت محل اتفاق بين الحضارات الإنسانية ثانياً.

و لذلك ينبغي بنا أن ننظر إلى مسألة الصورة المشوهة للإسلام في الإعلام الغربي بجدية تامة وأن لا نعدها قضية هامشية لا قيمة لها، وقد نبه كثير من الباحثين والمختصين من الطرف الإسلامي ومن الطرف الغربي على حد سواء إلى خطورة هذه المسألة وتأثيراتها السلبية على العقل الغربي والسلوك الغربي منذ سنوات عديدة .

ونشير في هذا الصدد إلى أن هناك حاجة ماسة إلى القيام بعمل سريع لسد الثغرة القائمة بين المجتمعات الإسلامية و الشعوب الغربية ، لأن من شأن هذه الثغرة إذا ما استمرت أن تؤدي إلى أخطار جسيمة لا تهدد العلاقات بين هذه الشعوب فحسب ولكنها قد تهدد استقلال البلاد العربية وأمنها ومقومات وجودها، وقد بدأت بوادر ذلك من خلال أطروحات بعض المنظرين في المجتمعات الإسلامية الذين تأثروا بالنظريات الغربية المعادية للإسلام.

ويجب التذكير بأن نجاح جهودنا في السعي نحو تصحيح صورة الإسلام والمسلمين في المجتمعات الغربية مرهون بعاملين اثنين، أولهما : وجود الاقتناع التام من النخبة المثقفة من المسلمين بضرورة العمل الجاد من أجل تغيير تلك الصورة، ومن المؤكد أن هذا الاقتناع موجود قبل أحداث سبتمبر 2001 ولكنها تعززت أكثر بعد الأحداث، ولذلك تنادى الكثيرون على مختلف المستويات الرسمية والفكرية والشعبية على بذل الجهود في هذا الميدان، وبدأت بعض المراكز الإسلامية الناشطة في المجتمعات الغربية، وبخاصة في الولايات المتحدة، تنظيم برامج ونشاطات تستهدف الرد على الحملات المعادية للإسلام وتوضيح الصورة الصحيحة عنه.

ونشير هنا، على سبيل المثال، إلى ما يقوم به مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية (Cair) من دور ملحوظ في مواجهة محاولات تشويه صورة الإسلام والمسلمين من قبل الوسائل الإعلامية والدوائر السياسية في أمريكا، وفي توعية الرأي العام الأمريكي بقضايا الإسلام والمسلمين وتحسين صورته، وينشط المجلس الآن في صنع الأخبار اليومية للمسلمين وتوزيعها على وسائل الإعلام الأمريكية والغربية عن طريق شبكة (Islam-info.net) وهي من أكبر شبكات الاتصال المسلمة في الغرب، كما يساهم المجلس في الرد على ما كتب ضد الإسلام والمسلمين في الصحف الغربية، وبخاصة الأمريكية .وبالإضافة إلى ذلك ينظم المجلس حملات تعريفية بالإسلام والمسلمين وقضاياهم لفئات مخصصة كالصحفيين والمعلمين ورجال الأمن، كما يقوم بإعداد بحوث ودراسات ميدانية وتوجيه رسائل للشعب الأمريكي على هيئة كتب ونشرات.

أما العامل الآخر من العوامل التي يعتمد عليها نجاح جهودنا في تصحيح الصورة في وجود بيـئة قابلة للتغيير في الغرب، وتدل بعض المؤشرات الجديدة على أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر فتحت أعين الكثيرين في المجتمع الأمريكي على حقيقة جهلهم وعدم معرفتهم بالإسلام فبدؤوا يتساءلون عنه إما بدافع الرغبة الحقيقية في المعرفة أو بدافع الفضول أو بدافع التعرف على العدو.

إن عدم المعرفة بالإسلام، بسبب نقص المعلومات عنه أو عدم الاهتمام المسبق به يعد عنصراً مساعدا على التغيير ويسهل مهمتنا كثيراً. ويعترف القس والأستاذ الجامعي الإسبانى إميليو غاليندر أن أول ما يتعين على الغربيين فهمه كي يفهموا الإسلام هو تأهيل أنفسهم لكي يكونوا قادرين على تحقيق مثل هذا الفهم. وقد أدلى غاليندر، الذي يدير مركز الدراسات الإسلامية المسيحية في مدريد ، بهذا التصريح بعد أن اكتشف أن الغالبية الكبرى من قساوسة وراهبات الكنيسة الكاثوليكية يجهلون الإسلام تماما .

إن الأحداث الأخيرة وتداعياتها وفرت بيئة ملائمة للعمل من خلال هذا الاستعداد والقابلية للتعرف على الإسلام وتفهم قضايا المسلمين لدى الشعوب الغربية وبخاصة في أمريكا. كما أن رياح الانفتاح العالمي التي نتجت عن التطور المذهل في تقنيات الاتصالات الحديثة بشتى أشكالها، بالإضافة إلى مقتضيات العولمة الإعلامية والاقتصادية والثقافية، تساعدنا على الوصول إلى الجماهير الغربية بيسر وسهولة.

ومن هذا المنطلق نرى أن المراكز البحثية يمكن أن تلعب دورا أساسيا في الرد على المغالطات ودحض الاتهامات والافتراءات التي توجه للإسلام والمسلمين وتصحيح الكثير من المعلومات الخاطئة التي تروج حول الإسلام والمسلمين.

و حتى يتسنى لهذه المراكز تحقيق أهدافها لا بد من اعتماد خطة إستراتيجية للتغيير على ما يمكن تسميته “صناعة الصورة البديلة” من خلال تقديم المعلومات الصحيحة وفق منظومة متكاملة ومستمرة غير منقطعة ،و أن تتوجه جهود هذه المراكز في صناعة الصورة البديلة إلى القاعدة الشعبية العريضة في المجتمعات الغربية ولا تقتصر أو تركز على الساسة وصناع القرار. فإن الشعوب الغربية تبدي استعداداً وقابلية للتغيير. ولم يعد من الصعوبة اليوم الوصول إلى الجماهير عبر العديد من وسائل الإعلام وشبكات المعلومات وقنوات الاتصال الشخصي. كما أن العديد من المؤسسات المدنية في المجتمعات الغربية توفر لمراكز البحوث ساحة ملائمة لإيصال رسائلها إلى قطاعات متنوعة من الأفراد والجماعات.

كذلك من أجل صناعة الصورة البديلة إلى مزيج من العمل الإعلامي والعمل الثقافي والعمل الدبلوماسي التي تقوم به مراكز البحوث ، فتغيير الصورة المشوهة وإحلال صورة بديلة مكانها لا يكفي لتحقيقه الاعتماد على نوع واحد من هذه النشاطات. بل نحتاج إلى الحركة في جميع هذه الجبهات. وهناك بعض المراكز البحثية التي استطاعت أن تصل إلى وسائل الإعلام المؤثرة في الغرب وتوثق صلتها بالمؤسسات الإعلامية ذات النفوذ. ولاشك أن هذه العلاقات والصلات متى ما نمت ونضجت فستساهم في تثقيف أولئك الإعلاميين وتصحيح مفاهيمهم وتصوراتهم عن الإسلام وذلك عن طريق تزويدهم بالمعلومات والتعبير لهم عن الآراء حول القضايا والموضوعات التي تتعلق بالدين الإسلامي.

وتمارس المراكز أيضا ألوانا متعددة من النشاط الثقافي عبر وسائل متنوعة مثل: توزيع الكتب والنشرات وإقامة المعارض والمهرجانات، وتقوية برامج التبادل الثقافي مع مراكز البحوث وهيئات التدريس في الجامعات الغربية.وأحيانا يكون للإتصال الشخصي لأعضاء المراكز البحثية مع المفكرين الغربيين دور فعال في تكوين الصور الذهنية وتغييرها، خاصة وأنه اليوم تتوافر لنا وسائل وقنوات مثل شبكات التواصل الاجتماعي وأنظمة البريد الإلكتروني وغيرها ، إذا علمنا أن الدول الإسلامية تمتلك حاليا عدداً من المؤسسات الفاعلة والمعاهد ومراكز البحوث التي تحتاج إلى دعم مادي ومساندة معنوية لتؤدي دوراً رائدا في هذا الخصوص .

كما أن تجديد الخطاب الإسلامي لدى النخبة المثقفة و أصحاب المراكز الفكرية والعلمية في مواجهة الهجمات الغربية الشرسة على الإسلام أصبح ضرورة ملحة ، حيث ينبغي على هذه المراكز أن تصوغ خطابا إسلاميا جديدا لمخاطبة الغرب يحل محل الخطاب القديم. فلم يعد مستساغاً ولا مقبولا أن نخاطب الغرب بخطاب استعدائي يوغر الصدور بدلا من أن يقربها. إن خطابنا الإسلامي الجديد عليه أن يراعي خصائص الجماهير المستهدفة وظروفهم الفكرية والاجتماعية والسياسية وان يتشبع بروح إيجابية فيقدم الإسلام للغرب بوصفه خياراً حضارياً يمكن أن يسهم في إثراء القيم الإنسانية التي يؤمن بها الغرب نفسه، وبوصفه تحدياً فكرياً جديراً بالدراسة والتأمل العقلي.

وإن المتتبع لحركة المراكز الإسلامية مثلا سيلحظ الدور العظيم الذي تقوم به لتحقيق أهداف الدعوة الإسلامية وتقديم الصورة الحقيقية للإسلام والتعريف بهذا الدين الحنيف وعمارة المساجد والعناية بها، بالإضافة إلى المعاهد والأكاديميات الإسلامية وإقامة الكراسي العلمية عن الإسلام في شتى الجامعات ومراكز البحوث المتقدمة في العالم، وما تقدمه سائر الجهات المعنية من خدمات وتعاون مع المراكز عبر ممثليات بلدانها الإسلامية في سائر الدول، وهي جهود مشكورة رأينا ومازال العالم يرى ويجني ثمارها في معرفة الدين الإسلامي المعرفة الحقيقية، وتصحيح المفاهيم الخاطئة عن أبنائه خاصة ما اجتهدت القوى المضادة له في ترسيخه في الأذهان من وسم الإرهاب وأن الدين الإسلامي يرعاه ويربي رعاياه عليه.

ومن هنا تبرز أهمية المراكز الإسلامية في تقديم الصورة الحقيقية للإسلام ، إلى جانب ما تقدمه من نشر للإسلام وترسيخ للعقيدة الصحيحة ، ومواجهة التحديات القائمة و المستقبلية العلمية والتربوية والإعلامية والنفسية والاقتصادية والأمنية، والتعاون والتنسيق فيما بينها وبين مراكز أخرى غربية في تحقيق المصالح ودرء المفاسد.

وفي نظرنا تعتبر المراكز الإسلامية إلى جانب المراكز البحثية نقطة الوصول بين أمة الإسلام ومعتقداتها وموروثاتها الحضارية وبين المشرق والمغرب، فبالإضافة إلى كونها مراكز للأبحاث والدراسات في شتى المجالات ومن بينها الدراسات الإسلامية ، فهي تعمل على نقل القيم والتجارب الإنسانية للمسلمين إلى غيرهم.

والجدير بالذكر في هذا السياق ، أن المراكز البحثية في أمريكا مثلا قامت ، بعد أحداث 11 سبتمبر ، بحملة كبيرة لتصحيح المفاهيم الخاطئة عن الإسلام في جانب الإرهاب، وعدم ربط ما حدث من كارثة بالاعتقاد الديني أو التوجه الإسلامي، ونجحت المراكز الإسلامية في ذلك بحيث أقبل الكثير من الأمريكيين على الاستفسار عن الإسلام وتصحيح مفاهيمهم عنه، وتضاعف عدد من دخل في الإسلام أربع مرات عن المعدل السنوي بعد الأحداث، كذلك يقابل المسلمون في الخارج شبهات كثيرة تثار ضد الإسلام كحرية المرأة، وحرية الاعتقاد، والحدود الشرعية، وغيرها، وتقوم المراكز البحثية بكشف هذه الشبهات وتفنيدها وتصحيح النظرة تجاهها عن طريق استضافة العلماء وعقد الندوات وتوزيع النشرات.

وعلى هذا الأساس ، فإن المراكز البحثية قد تصحح المفاهيم المغلوطة عن الإسلام والمسلمين بطريقة غير مباشرة، حيث إن كثيراً من غير المسلمين يأخذون تصوراتهم عن الإسلام والمسلمين من مصادر إعلامية غير محايدة، فيبنون الأفكار والقناعات على غير أساس صحيح، فعندما يتعرفون على المسلمين ويقرأون عن الإسلام تتغير قناعاتهم وتصوراتهم ومفاهيمهم، وهذا ما يحصل يومياً في البلاد غير الإسلامية، وهذا ما نرى أثره حين يعجب غير المسلمين بسلوك المسلمين التعبدي والاجتماعي.

وفي إطار التأثير على صورة الإسلام استعرض الأستاذ إبراهيم المهنا تأثير مراكز الدراسات الإستراتيجية في الولايات المتحدة على الرأي العام الأمريكي، وكيف أن بعض هذه المراكز لها تأثيرها الكبير على السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط. وحيث هذه المراكز تحمل مواقف عدائية من الدول العربية ومن قضايا المنطقة، فمن المتوقع أن تدفع هذه المراكز بمزيد من التأثير السلبي على أصحاب القرار السياسي نحو المنطقة. وأشار المهنا إلى أن تأثير مراكز الدراسات الإستراتيجية على الرأي العام الأمريكي يعود إلى أسباب منها المصداقية التي يمتلكها أصحاب هذه المراكز والمستشارون فيها نتيجة لخلفياتهم العلمية والمهنية، باعتبار مراكزهم مستقلة عن الحكومة.

وفي الموضوع نفسه، استعرض الأستاذ عبد الله الطائر دور مراكز الدراسات الإستراتيجية في التأثير على قضايا منطقة الشرق الأوسط، حيث أشار إلى أن تطور هذه المراكز مر بثلاثة أجيال :

– الجيل الأول: تأسيس عدد من المراكز التي كانت مهتمة بمناقشة الشئون الخارجية للولايات المتحدة؛
– الجيل الثاني: بروز ظاهرة التعاقد الحكومي مع مراكز الدراسات، حيث تحولت من مراكز او نوادي لمناقشة قضايا خارجية إلى مراكز استشارية تقدم خدماتها لبعض الأجهزة الحكومية الأمريكية؛
– الجيل الثالث: بروز مراكز الدراسات المهتمة بصناعة الرأي العام وتوجيهه، وقد اعتمدت هذه المراكز خلال هذه الفترة إلى توليفة من الأبحاث المتعمقة في السياسة الخارجية الأمريكية مع وسائل تسويق إعلامي ذات فعالية كبيرة، وتشترك في ذلك جماعات الضغط .

فضلا عن ذلك ، يمكن للمراكز البحثية أن ترصد كل ما يقال وينشر عن الإسلام و الرد عليه بالحكمة والحسنى؛ وهذا أمر يتطلب وجود علماء أكفاء بهذه المراكز على مستوى عال من الثقافة الإسلامية، وخبراء متخصصين في مجالات متعددة لعل أهمها اللغات الحية… ومن جهة أخرى نحتاج إلى إعلام إسلامي كفيل بعرض قيم ومبادئ الإسلام السمحة بلغة الآخر من أجل تصحيح المفاهيم الخاطئة التي ترسخت في ذهنية الإنسان الغربي إثر سلوكيات بعض المسلمين.
و يمكن لها أيضا رصد وتصحيح ما ينشر عن الإسلام والنبي عليه الصلاة والسلام من افتراءات ، وذلك من خلال التنسيق جهود الباحثين في هذا المجال والسعي إلى تكريس العمل الجماعي الهادف إلى إنجاز وتحقيق مشاريع علمية ونشر البحوث والدراسات المتعلقة بمجال اهتمام المركز وربط جسور التواصل والتعاون مع مختلف المراكز في الدول الإسلامية و الدول الغربية.
إن دور المراكز لا يقتصر فقط على إعداد الدراسات والبحوث والكتب ونشر المقالات لتصحيح صورة الإسلام ولكنه يهتم بكل ما يخدم المجال، من رصد للحملات المعادية، والمضامين التي تنشر في وسائل الإعلام الغربية لتشويه صورة الدين الإسلامي، لأن هذه المهمة في حاجة إلى جهود جماعية منظمة ولا يمكن لأفراد القيام بها بمفردهم.

خاتمة :

إن نجاح مهمة المراكز البحثية في تصحيح صورة الإسلام ليست سهلة يمكن تنفيذها بارتجال وبشكل فردي، بل لابد فيها من العمل الجماعي القائم على تنسيق الجهود وعقد اللقاءات بين المراكز البحثية المهتمة بالدراسات حول الإسلام والمسلمين . وفي ظل تفاقم ظاهرة الإسلاموفوبيا تبدو الحاجة أكثر إلى تنسيق الجهود وربط جسور التعاون بين مختلف الجهات المهتمة، وهو ما يستدعيه عمل المراكز البحثية والهيئات والمنظمات الإسلامية.
كما أن هذه المهمة لن تكون مجدية إلا إذا كان خطاب التصحيح موجهاً إلى الغربيين بلغاتهم، وهو أمر ليس من السهل تحقيقه نظراً إلى جملة من الحواجز والعوائق من بينها كون المهتمين والمتعاونين لا يتقنون لغات أجنبية في مستواها العلمي الأكاديمي الذي يسمح باكتساب منهج الرد والتفنيد، كما أن من العوائق صعوبة التسويق في الغرب لكل ما هو إسلامي خاصة إذا كان يتوجه بالدفاع عن حقائق الإسلام ضد التهم والافتراءات والطعون.
و لا غرو أن تكوين أساتذة جامعيين منتسبين إلى مراكز بحثية في الدول الإسلامية من أجل اكتساب مهارات التواصل مع المفكرين الغربيين أمر جد إيجابي، حيث يمكن الاستعانة بهم عند الحاجة من طرف المراكز البحثية و المؤسسات الجامعية في مجال تصحيح صورة الإسلام.
و أخيرا ينبغي التأكيد على أن المراكز البحثية في الدول الإسلامية في حاجة إلى الدعم المعنوي و المادي لأداء دورها على أحسن وجه ، خصوصا في مجال الدفاع عن قضايا الأمة الإسلامية .

الدكتور/خالد الشرقاوي السموني
مدير مركز الرباط للدراسات السياسية والاستراتيجية
أستاذ بجامعة محمد الخامس – المملكة المغربية

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

code