العزاء الضاحك

  • 11 سبتمبر 2019 - 09:46 ص
  • لا توجد تعليقات
  • 1006 مشاهدة

تصاب بعض العقول بعسر الفهم، وتلبك الوعي وتنكت القلوب بالغفلة.. عند البعض تتساوى الأمور في غير شأنها، وتختل الأوقات في غير زمنها.

ويبقى العزاء نفحة من النبل، وصفة من الخير، وأنس يسود المجالس.. ويدرك الكثير أن كثافة العزاء، وغزارة الصبر لاتعيد المفقود. ويبقى العزاء وجهاً من الاطمئنان، وملامح من السلوان، وتعابير للتخفيف..

سنة حميدة، وأجر عظيم، وخصلة إيمان، وموقف عاطفي، وتفاعل إنساني حين يكون العزاء في محله وقيمته وغايته..

يأبى البعض وهم كثر إلا أن يكون مجلس العزاء مرتعاً للتنفيس، ومنفذاً لبث الهموم، ومحطة للجدال فما بين أحاديت تحمل اللغو، وتكتسي باللمم، وأقاويل فارغة، وكلمات مملوءة بالصخب..

استغربت ذلك الذي أطلق ضحكته بعد أن تصدر المجلس بروايات السخف والتندر، فألغى حرمة المناسبة، وقيمة المجلس، وتعجبت ممن يمكث الساعات الطوال يجامل في الوجه، ويتأفف من حبسه في ذلك المجلس مجاملة..

وتهت ألماً حين سمعت أحدهم منغمساً في أمور الدنيا بشكل لا يراعي المكان ولا الحضور.. وذلك الذي يتحدث عن الأسهم وتوصياتها، والآخر الذي يضج بأمور العقار، وغيره الذي يروي مشكلات عمله، وبعده يسترسل فيما توصلت إليه التقنية.

تساءلت أهذا مجلس عزاء.. هل يتحوّل كهذا مجلس إلى مساحة لتبادل المنافع، وتناقل الشجون، وبث الغموم..؟ ألا يدرك البعض حجم مصيبة المصاب، وغمه المستكين داخله، ألا يعرف أولئك الضاحكون ما ينبغي أن يكون في مجلس العزاء..؟ ألا يستوعب هؤلاء قدر حاجة المصاب إلى التهوين عليه، والتلطف معه بكلام الخير والعزاء الحقيقي؟

وهذه الموائد التي تمد بطعام يشوبه الإسراف، ويثقل على المصاب تصريفه، ويسبب له الإزعاج بالانشغال بدعوة الحضور على الطعام فينقلب العزاء إلى مشروع تغذية وتتساوى وتتشابه الأجواء مع أجواء ولائم الأفراح فلا تفرق أبداً.

وذلك الذي أزعج المجلس بأسئلة خائبة.. كيف مات فلان وما تفاصيل مصابه وماذا فعلتم ولماذا لم تفعلوا ولو عملتم كذا وكذا لكان كذا وكذا فيغرق المجلس بعلامات الاستفهام، وأجراس الضجيج، وطبول الإزعاج.

ويبقى القول: ليست مجالس العزاء لبث الغمة، ونشر الكآبة، ونثر الحسرات.. وليست اجتماعاً حافلاً، أو لقاء ساهراً، أو حفلة نوادر.. لذا توجب علينا إيقاظ الانتباه بمقامات المجالس، وحالات الأمور.. وأن يكون لدينا حس وفن التعامل والقول في مثل تلك المناسبات الحزينة، فنضعها في قيمتها باتزان يحقق لنا الأجر أولاً، ثم يسلي المصاب، وكل إنسان يعلم قربه ومكانته عند غيره، ولعلنا نتجه إلى خيارات وعادات حسنة تنظم تلك المجالس وتقصرها على أوقات معينة وتنظيم محدد.. فاستوصوا وتواصوا خيراً.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

code